‏إظهار الرسائل ذات التسميات شعر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شعر. إظهار كافة الرسائل

قصيدة كم تشتكي



إيليا أبو ماضي
قصيدة كم تشتكي

كم تشتكي و تقول إنّك معدم***و الأرض ملكك و السماو الأنجم ؟

و لك الحقول وزهرها و أريجها***و نسيمها و البلبل المترنّم

و الماء حولك فضّة رقراقة***و الشمس فوقك عسجد يتضرّم

و النور يبني في السّفوح و في الذّرى***دورا مزخرفة و حينا يهدم

فكأنّه الفنّان يعرض عابثا***آياته قدّام من يتعلّم

و كأنّه لصفائه و سنائه***بحر تعوم به الطّيور الحوّم

هشّت لك الدّنيا فما لك واجما ؟***و تبسّمت فعلام لا تتبسّم

إن كنت مكتئبا لعزّ قد مضى***هيهات يرجعه إليك تندّم

أو كنت تشفق من حلول مصيبة***هيهات يمنع أن تحلّ تجهّم

أو كنت جاوزت الشّباب فلا تقل***شاخ الزّمان فإنّه لا يهرم

أنظر فما تطلّ من الثّرى***صور تكاد لحسنها تتكلّم

ما بين أشجار كأنّ غصونها***أيد تصفّق تارة و تسلّم

و عيون ماء دافقات في الثّرى ***تشفي السقيم كأنّما هي زمزم

و مسارح فقتن النسيم جمالها ***فسرى يدندن تارة و يهمهم

فكأنّه صبّ بباب حبيبة ***متوسّل ، مستعطف ، مسترحم

و الجدول الجذلان يضحك لاهيا ***و النرجس الولهان مغف يحلم

و على الصعيد ملاءه من سندس ***و على الهضاب لكلّ حسن ميسم

فهنا مكان بالأريج معطّر ***و هناك طود بالشّعاع مهمّم

صور و أيات تفيض بشاشة ***حتّى كأنّ الله فيها يبسم

فامش بعقلك فوقها متفهّما ***إنّ الملاحة ملك من يتفهّم

أتزور روحك جنّة فتفوقها ***كيما تزورك بالظنون جهنّم ؟

و ترى الحقيقة هيكلا متجسّدا ***فتعافها لوساوس تتوهّم

يا من يحنّ إلى غد في يومه ***قد بعت ما تدري بما لا تعلم

قم بادر اللّذّات فواتها ***ما كلّ يوم مثل هذا موسم

واشراب بسرّ حصن سرّ شبابه ***وارو أحاديث المروءة عنهم

المعرضين عن الخنا ، فإذا علا ***صوت يقول : "إلى المكارم" أقدموا

ألفاعلين الخير لا لطماعة ***في مغنم ، إنّ الجميل المغنّم

أنت الغنيّ إذا ظفرت بصاحب ***منهم و عندك للعواطف منجم

رفعوا لدينهم لواء عاليا ***و لهم لواء في العروبة معلم

إن حاز بعض النّاس سهما في العلى ***فلهم ضروب لا تعدّ و أسهم

لا فضل لي إن رحت أعلن فضلهم ***بقصائدي ، إنّ الضحى لا يكتم

لكنّني أخشى مقالة قائل ***هذا الذي يثني عليهم منهم

أحبابنا ما أجمل الدنيا بكم ***لا تقبح الدّنيا و فيها أنتم

قصيدة فلسفة الثعبان المقدس

للشاعر أبي القاسم الشابي



كانَ الربيعُ الحُيُّ روحاً حالماً .... غضَّ الشَّبابِ مُعَطَّرَ الجلبابِ

يمشي على الدنيا بفكرة شاعرٍ ..... ويطوفها في موكبٍ خلاَّبِ

والأُفقُ يملأه الحنانُ كأنه ........ قلبُ الوجود المنتِجِ الوهابِ

والكون من طهرِ الحياة كأنما ..... هُوَ معبدٌ، والغابُ كالمحرابِ

والشّاعرُ الشَّحْرورُ يَرْقُصُ مُنشداً ... للشمس فوقَ الوردِ والأعشابِ

شعْرَ السَّعادة والسَّلامِ ونفسهُ ..... سَكْرَى بسِحْر العالَم الخلاّبِ

ورآه ثعبانُ الجبالِ فغمَّه ....... ما فيه من مَرَحٍ وفيْضِ شبابِ

وانقضّ مضْطَغِناً عليه كأنَّه ...... سَوْطُ القضاءِ متمما بعذاب

بُغتَ الشقيُّ فصاح من هول الردى ...... متلفِّتاً للصائل المُنتابِ

وتَدَفَّق المسكين يصرخُ ثائراً: ...... ماذا جنيتُ أنا فَحُقَّ عِقابي؟

لاشيءِ إلا أنني متغزلٌ .......... بالكائنات، مغرِّدٌ في غابي

أَلْقَى من الدّنيا حناناً طاهراً ...... وأَبُثُّها نَجْوَى المحبِّ الصّابي

أَيُعَدُّ هذا في الوجود جريمة ً؟! .... أينَ العدالة ُ يا رفاقَ شبابي؟

لا أين فالشَّرْعُ المقدّسُ ههنا ...... رأيُ القويِّ وفكرة ُ الغَلاّبِ

وَسَعَادة ُ الضَّعفاءِ جُرْمُ ما لَهُ ...... عند القويِّ سوى أشدِّ عِقَاب

ولتشهد الدنيا التي غَنَّيْتَها ..... حُلْمَ الشَّبابِ وَرَوعة َ الإعجابِ

أنَّ السَّلاَمَ حَقِيقة ٌمَكْذُوبة ٌ ...... والعَدْلَ فَلْسَفَة ُ اللّهيبِ الخابي

لا عَدْلَ إلا إنْ تعَادَلَتِ القوَى ..... وتَصَادَمَ الإرهابُ بالإرهاب



فتَبَسَّمّ الثعبانُ بسمة َهازئٍ ...... وأجاب في سَمْتٍ وفرطِ كِذَابِ:

يا أيُّها الغِرُّ المثرثِرُ إنَّني ........ أرثِي لثورة ِ جَهْلكَ الثلاّبِ

والغِرُّ يعذره الحكيمُ إذا طغى ....... جهلُ الصَّبا في قلبه الوثّابِ

فاكبح عواطفكَ الجوامحَ إنها ..... شَرَدَتْ بلُبِّكَ واستمعْ لخطابي

أنِّي إلهٌ طاَلَما عَبَدَ الورى ....... ظلِّي وخافوا لعنَتي وعقابي

وتقدَّوموا لِي بالضحايا منهمُ ....... فَرحينَ شأنَ العَابدِ الأوّابِ

أفلا يسرُّكَ أن تكون ضحيَّتي ...... فتحُلَّ في لحمي وفي أعصابي ؟!

وتكون عزماً في دمي، وتوهَّجاً ...... في ناظريَّ، وحدَّة ً في نابي ؟!

وتذوبَ في رُوحِي التي لا تنتهي .... وتصيرَ بَعََض ألوهتي وشبابي ؟!

إني أردتُ لك الخلودَ مؤلَّهاً ......... في روحي الباقي على الأحقابِ

فَكِّرْ لتدركَ ما أريدُ وإنّه ........... أسمى من العيش القَصيرِ النَّابي

فأجابه الشحرورُ في غُصَ الرَّدى ...... والموتُ يخنقه : إليكَ جوابي

لا رأي للحقِّ الضعيف ولا صدّى ......... الرَّأيُ رأيُ القاهر الغلاّبِ

فافعلْ مشيئَتكَ التي قد شئتَها ....... وارحم جلالَكَ من سماع خطابي

وكذاك تتَّخَذُ المَظَالمُ منطقاً ............ عذباً لتخفي سَوءَة َ الآرابِ

من قصائد المتنبي



من قصائد المتنبي

قالها المتنبي مخاطباً سيف الدولة

نبذة عن المناسبة التى قيلت فيه هذا البيت

انطلق المتنبي يمدح وجهاء الشام ومنهم أبو العشائر الحمداني الذي قدمه

لسيف الدولة الحمداني أمير دولة بني حمدان فأخذه سيف الدولة معه إلى حلب عاصمة

الدولة الحمدانية وهناك ابتسمت الأيام للمتنبي ونال الحظوة والشرف وقدمه سيف

الدولة على جميع مرتادي مجلسه الذي كان عامراً بالأدباء والقادة وأغدق عليه من

العطايا ماجعل الحساد يكثرون عليه ويوغرون سيف الدولة عليه ، وفعلاً نجحوا في ذلك

حتى حصل في أحد الأيام أن دخل المتنبي.

على سيف الدولة وجرى على عادته من إنشاد قصيدته وهو جالس على غير عادة بقية

الشعراء حين ينشدون الوجهاء وهم وقوف فتعرض ابن خالويه لأبي الطيب وضربه

بالمفتاح بعد أن علم إعراض سيف الدولة عن أبي الطيب وقيل بل إن سيف الدولة

بنفسه رمى أبا الطيب بدواة الحبر فشج رأسه وهنا جادت قريحته بالقصيدة التي سوف

نذكرها وكانت آخر مدائحه في سيف الدولة وبعدها ترك بلاط سيف الدولة ليتنقل قليلاً

قبل أن تستقربه الحال عند كافور الإخشيدي مادحاً له فأكرمه كافور أفضل إكرام ؛ ولكن

طموح شاعرنا لم يكن يرضى من كافور إلا أن يوليه ولاية ولكن كافور ظل يماطل أبا

الطيب إلى أن مل أبو الطيب من مماطلة كافور فهاجر من مصر وبعدها هجا كافور أمر

الهجاء، ثم ظل يتنقل بين الوجهاء والأمراء يمدحهم وينال الجزيل من عطاياهم حتى

انتهى به الأمر قتيلاً على يد فاتك الأسدي الذي قيل أنه قتله انتقاما منه لهجائه لأحد

أقاربه. والآن إلى القصيدة التي التي قالها المتنبي في قصة ضربه في مجلس سيف

الدولة ومنها قوله:



واحـر قلــــباه ممــن قلبــه شبــم **** ومن بجسمـي وحـالي عنده سقـم

مـــا لـي أكتم حبا قد برى جسدي **** وتدعي حب سيف الدولة الأمم

إن كــــان يجمعــنا حب لغرتــه **** فليت أنا بقدر الحــــب نقتســـم

قد زرته و سيوف الهند مغمـــدة **** وقد نظرت إليه و السيـوف دم

فكان أحسن خلــــق الله كلهـــم **** وكـان أحسن مافي الأحسن الشيم

فوت العــدو الذي يممـــته ظفر **** في طــيه أسف في طـــيه نعــــم

قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت **** لك المهابــــــة مالا تصنع البهم

ألزمت نفسك شيــــئا ليس يلزمها ****أن لا يواريـهم بحر و لا علم

أكلــما رمت جــيشا فانثنى هربا **** تصرفت بك في آثاره الهمــم

عليك هــــزمهم في كل معتـرك **** و ما عليــك بهم عار إذا انهزموا

أما ترى ظفرا حلوا سوى ظفر**** تصافحت فيه بيض الهندو اللمم

يا أعدل الناس إلا في معــاملتي **** فيك الخصام و أنت الخصم والحكم

أعيذها نظـــرات منك صادقـــة **** أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

وما انتفاع اخي الدنيا بناظـــره ****إذا استـــوت عنده الأنوار و الظلم

سيعلـم الجمع ممن ضم مجلسنا **** باننــي خير من تسعى به قـــــدم

انا الذي نظر العمى إلى ادبــي **** و أسمعـت كلماتي من به صمــم

انام ملء جفوني عن شواردها **** ويسهر الخلق جراها و يختصم

و جـــاهل مده في جهله ضحكي **** حتى اتتــــه يــد فراســة و فم

إذا رايـــت نيوب الليــث بارزة **** فلا تظنـــن ان الليــث يبتســم

و مهجـة مهجتي من هم صاحبها **** أدركتـــه بجواد ظهره حـــرم

رجلاه في الركض رجل و اليدان يد **** وفعلـــه ماتريد الكف والقدم

ومرهف سرت بين الجحفليـــن به **** حتى ضربت و موج الموت يلتطم

الخيل والليل والبيــداء تعرفنــــي **** والسيف والرمح والقرطاس و القلم

صحبـت في الفلوات الوحش منفردا ****حتى تعجـــب مني القور و الأكــم

يــــا من يعز عليـــنا ان نفارقهـــم **** وجداننـا كل شيء بعدكم عــدم

مــا كان أخلقــنا منكم بتكـــرمة **** لـو ان أمــركم من أمرنـا أمــم

إن كــان سركـم ما قال حاسدنا **** فما لجـــرح إذا أرضاكـــم ألــم

و بينــنا لو رعيتم ذاك معرفــة **** غن المعـارف في اهل النهـى ذمم

كم تطلبـــون لنا عيبـا فيعجزكم **** و يكره الله ما تأتون والكــرم

ما أبعد العيب و النقصان عن شرفي **** أنا الثـــريا و ذان الشيب و الهرم

ليـت الغمام الذي عندي صواعقه **** يزيلهـن إلى من عنـده الديــم

أرى النوى تقتضينني كل مرحلة **** لا تستقـل بها الوخادة الرسـم

لئن تركـن ضميرا عن ميامننا **** ليحدثن لمـن ودعتهــم نـدم

إذا ترحلت عن قـوم و قد قـدروا **** أن لا تفارقهم فالـراحلون هــم

شــر البلاد مكان لا صــديق بــه **** و شر ما يكسب الإنسان ما يصم

و شـر ما قنصته راحتي قنص **** شبه البزاة سواء فيه و الرخم

بأي لفظ تقـول الشعــر زعنفة **** تجـوز عندك لا عــرب ولا عجم

هذا عـتابـك إلا أنـه مقـة **** قـد ضمـن الدر إلا أنه كلم

‫قصيدة: كنت تايه ف الميدان



تايه ف الميدان

هيّ مش قرصة ودان

ديّه ثورة ف الميدان

و انت وحدك .. المُدان

......

بس برضه

كنت تايه ف الميدان

رغم كل الثورة فيّه

و الغضب و الاحتقان

كنت تايه ف الميدان

بين عَلَم

بين شعوري إني ثاير

إني فاير

إني طاير

بين شعوري بالألم

وسط صُوَر الشهدا

و الطوب و الطوفان

كنت تايه ف الميدان

بين عجوزة و بين صبيّة

قالوا عنها إرهابية

أو عميلة

أو غبية

اه يا حرية .. سبيّة

بين ملايين التُهَم

و التلاعب بالودان

كنت تايه ف الميدان

بين هتافات الطرافة

أو هتافات الثقافة

أو هتافات الغلابا

و الطيابا

و الحنين اللي انتشر

كنت بتنقّل بخفّة

وسط كادرات البَشَر

و العيون اللي بحس

إنها لاقطة الصور

كنت راكب .. فوق كتافي

كنت بهتف جوّا منّي

دمع خافي

و الغريبة بعد ما اتمكنت منّي

فجأة عيني دمّعت

وقت الأدان

بس برضه

كنت تايه ف الميدان

بين خلاعة .. و احتشام

بين بشر واخداها فُسحة

جايبة أطفالها البريئة

صارخة بسقوط الرئيس

بس مش فاهماه صريخ

بين بنات

باللبانة واقفة جمب الدبابات

واخدة صورة للتاريخ

و التاريخ مفيهوش لِبان

كنت تايه ف الميدان

‬الشاعر أحمد الطحان

قصيدة رائعة عن اللسان

 
أحفظ لسانك أيها الإنسان

لا يلدغنك انه الثعبان

كم في المقابر من قتيل لسانه

كانت تهاب لقاءه الشجعان.

وسمعك صن عن سماع القبيح

كصون اللسان عن نطقه

فإنك عند سماع القبيح

شريك لقائله فانتبه .

إذا أعتز بالمال الرجال فإننا نرى عزنا

إن نجود وأن نسخو وعز الورى بالمال

ينسخ عاجلا وعز الفتى بالجود لبس له نس .

يصاب الفتى من عثرة بلسانه

وليس يصاب المرء من عثرة الرجل

فعثرته بالقول تذهب رأسه

وعثرته بالرجل برا على مهل .

إذا كان لا يرجوك إلا محسن

فبمن يلوذ ويستجير المجرم

مالي إليك وسيله إلا الرجا

وجميل عفوك ثم إني مسلم .

لا يكتم السر إلا كل ذي ثقه

والسر عند خيار القوم مكتوم

فالسر عندي في بيت له غلق

ضاعت مفاتيحه والباب مختوم.

الرأي قبل شجاعه الشجعان

هو أول وهي المحل الثاني

وإذا هما اجتمعا لنفس مرة

بلغت من العلياء كل مكان.

الصمت زين السكوت سلامه

فإذا نطقت فلا تكن مكثارا

فإذا نطقت على سكوني مره

ولقد ندمت على الكلام مرار.

الجد في الجد والحرمان في الكسل

فانصب تصب عن قريب غايه الأمل

فلسلفة الثعبان غير المقدس

قراءة ممتعة لقصيدة لأبو القاسم الشابي
لدكتور أحمد خالد توفيق


فليرحم الله شاعرنا التونسي العظيم "أبا القاسم الشابي". هذا الشاب ظاهرة يجب أن تتم دراستها بعناية أكثر. موهبة اشتعلت كبركان بلغت نيرانه عنان السماء خلال عمر قصير لم يطل أكثر من 25 عامًا، ثم خمد بسرعة البرق إذ قتله داء القلب (وقيل الدرن)، حتى أن مجلة (أبوللو) الشعرية قدمته بكل فخر للقراء في عدد ثم نعته لهم في العدد التالي!.. نموذج آخر للموهبة الحارقة التي تتوهج بعنف وسرعة ثم تتحول لرماد وتحرق صاحبها معها، فالجسد البشري له قدرة معينة على تحمل العبقرية لا يتحمل أكثر منها.
في هذه السنين النادرة انهمرت أشعار الفتى بلا توقف، وحدت بصيرته إلى درجة أن قصائده صارت أمثالاً ونبوءات وأناشيد قومية. كم مرة رددت فيها:

"إذا الشعب يومًا أراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر"

وكم مرة قلت فيها:

"لا عدل إلا إن تعادلت القوى
وتصادم الإرهابُ بالإرهابِ"

لاحظ الكلمات المختارة وكيف أنها عصرية جدًا.. في ذلك الوقت (عشرينيات القرن العشرين) لم تكن قضية الإرهاب ساخنة أو موجودة أصلاً، لكنك تشعر بأن العبقري يعلق على ما يحدث في غزة اليوم. لقد اجتازت نظرته الثاقبة الزمن والمسافات.
كنت أصغي لقناة الجزيرة؛ لأني تعبت من مشاهدتها، وقد اختلطت الرؤى والمشاهد في ذهني من فرط ما رأيت من مذابح وجثث أطفال وفوسفور، عندما وقعت عيني على كعب الديوان القديم لـ"أبي القاسم الشابي" الذي لم أقرأه منذ عشرين عامًا لأنني أحفظه تقريبًا. رحت أقلب الصفحات وقد تذكرت قصيدة رائعة كتبها الشاعر، وتذكرك بقصص (كليلة ودمنة) وقصص الحيوانات التي تحكي عن البشر في الواقع. القصيدة اسمها (فلسفة الثعبان المقدَّس).. القصيدة تبدأ بداية منعشة جدًا..
إن الشحرور يغني في مرح ليوم ربيعي مشمس.. لكن:

"ورآه ثعبان الجبال فغمـــــهُ
ما فيه من مرحٍ وفيضِ شبابِ
فانقض مضطغناً عليه كأنــــه
سوط القضـاءِ وفريـة الكــذابِ"

هكذا راح الشحرور يصرخ وهو في فم الثعبان:
"ماذا جنيتُ أنا فحقَّ عقابي؟

لا شـــيء إلا أننــــي متـغـــــزلٌ
بالكائـنات مغــــردٌ في غابـــي
أيـعّدُ هـذا في الوجـــود جريمـةً
أين العدالة يا رفاق شبــــابي؟
لا أين فالشرع المقدس هاهــنا
رأي القـوي وفكـــرةُ الغـــــلابِ
وسعادة الضعفاء جرمٌ ما لهُ عند
القـوي سوى أشــد عقـــــابِ"


بالفعل تشعر أنك تعرف هذا الشحرور نوعًا، لكن شحرورنا العربي لا يغرد أصلاً.. لقد كتموا صوته منذ زمن بعيد. على أن الشحرور يواصل الشكوى مشهِدًا الدنيا كلها على أن العدالة أكذوبة:

ولتشهد الدنيا التي غنيتـها
حلم الشباب وروعــة الإعجـــابِ
أن الســـلام حقيقة مكذوبةٌ
والعدل فلسـفة اللهيب الخابي



ثم يقول بيت الشعر العظيم الذي يلخص كل شيء، والذي يعرف كل طفل أنه الحقيقة بعينها:

لا عدلَ إلا إن تعادلت القوى
وتصـــادم الإرهــابُ بالإرهــابِ

كل طفل عرف ذلك، لكن من قال إن السياسيين يتمتعون بذكاء الأطفال؟.. لو كان الأمر كذلك لكانت الحياة رائعة.. ضباب السياسة والمصالح يحجب الحقائق فلا يعرفون أي الألوان الأبيض وأيها الأسود..
هنا يبتسم "باراك".. آسف.. أقصد الثعبان... بالمناسبة.. لا أعرف لماذا يبدو هؤلاء الإسرائيليون من الخارج بالضبط كما هم من الداخل؟.. هذه ظاهرة غريبة فعلاً.. "باراك" ثعبان أملس باسم بملامحه الدقيقة الخالية من الرجولة.. تذكر أنه كان متنكرًا كامرأة شقراء في العملية الخاصة على بيروت، فيبدو أنهم أجادوا الاختيار فعلاً (كل الصحف وقتها قالت: إن امرأة حسناء كانت تقود مجموعة رجال الكومندوز الإسرائيليين).. "شارون" خرتيت بلا زيادة ولا نقصان.. "ليفني" نمرة متوحشة تتظاهر باللطف أحياًنا قبل أن تلتهم ذراعك.. "نتنياهو" فتوة المدرسة الضخم الشرس محدود الذكاء الذي يضرب الصبية المتفوقين.. "بيريز" يشبه بالضبط "كرستوفر لي" الذي كان يقوم بدور "دراكولا" في أفلام "هامر" القديمة، حتى تتوقع أن يبرز له نابان في أية لحظة..
دعنا من هذا ولنواصل سماع قصيدة الشابي.. قلنا إن "باراك" -أقصد الثعبان- ابتسم:

فتبسَّم الثعبان بســمةَ هازئ ٍ وأجاب في سـمتٍ وفــرط كذاب
يا أيها الغـِـرُّ المثــرثــرُ إننـــــي أُرثــــي لثــورة جهـــلك الثــــلابِ
إني إله طالما عبد الورى ظلّي وخافــــوا لعنتــــي وعقــــــــابي
وتقربوا لي بالضـحايا منـــــهمُ فرحــين شـــأن العـــابـــد الأوّابِ
أفلا يسرُّك أن تكون ضحيتـي فتحلَّ في لحمي وفي أعصابي؟
وتكون عزماً في دمي وتوهجاً في ناظري وحدةً فـي نابــــــي؟

هذا هو منطق الطاغية.. أنا إله ومما يشرفك ويرفع مقدارك أن تكون ضحية لي.. لحسن الحظ أنه لم يقل له: من حقي الدفاع عن نفسي، أو هذا هو المخاض الضروري من أجل شرق أوسط جديد..
على كل حال، لا جدوى من المنطق إلا لإقناع المجتمع الدولي بأن هناك مبررًا قويًا فيستريح ضميره؛ لأن "السلام حقيقة مكذوبةٌ" أما بالنسبة للشحرور فهو سيؤكل في جميع الظروف، لهذا يقول وهو يحتضر:

لا رأي للحق الضعيف ولا صــدى والــــرأي رأي القاهــر الغــــلابِ
فاصنعْ مشيئتك التي قد شئتها وارحم جلالك من سماع خطابي
انتهت القصيدة الرائعة..
درسٌ عمره تسعون عامًا ألقاه "العبقري" على مسامعنا قبل أن يلقى ربه.. القوة منطق حق في حد ذاته، ولا جدوى من الصراخ أو طلب العدالة أو استجداء العالم "فالشرع المقدس ها هنا رأي القوي وفكرةُ الغلابِ".. لا عدل إلا إن تعادلت القوى.. أنت آمن بقدر ما أنت قوي قادر على إرهاب خصمك.. العالم يحترمك بقدر ما أنت مهيب، وإلا فلن تظفر سوى بصراخ بعض مؤيدي حقوق الإنسان وتأييدهم لك.. لقد كانت مشكلة الشحرور أنه كان أرق من اللازم وأضعف من اللازم..
تعلمنا من حماس وحزب الله أن الشجاعة لا تنقصنا، إذن فالفجوة فجوة علم وفجوة إرادات، وعلينا أن نسد هاتين الفجوتين حتى لا يلتهمنا "باراك".. أقصد الثعبان غير المقدس مرة أخرى.

وداعاً يا صلاح الدين.. لأمل دنقل

ها أنتَ تَسْترخي أخيراً..

فوداعاً..

يا صَلاحَ الدينْ.

يا أيُها الطَبلُ البِدائيُّ الذي تراقصَ الموتى

على إيقاعِه المجنونِ.

يا قاربَ الفَلِّينِ

للعربِ الغرقى الذين شَتَّتتْهُمْ سُفنُ القراصِنه

وأدركتهم لعنةُ الفراعِنه.

وسنةً.. بعدَ سنه..

صارت لهم "حِطينْ"..

تميمةَ الطِّفِل, وأكسيرَ الغدِ العِنّينْ

(جبل التوباد حياك الحيا)

(وسقى الله ثرانا الأجنبي!)

مرَّتْ خيولُ التُركْ

مَرت خُيولُ الشِّركْ

مرت خُيول الملكِ - النَّسر,

مرتْ خيول التترِ الباقينْ

ونحن - جيلاً بعد جيل - في ميادينِ المراهنه

نموتُ تحتَ الأحصِنه!

وأنتَ في المِذياعِ, في جرائدِ التَّهوينْ

تستوقفُ الفارين

تخطبُ فيهم صائِحاً: "حِطّينْ"..

وترتدي العِقالَ تارةً,

وترتدي مَلابس الفدائييّنْ

وتشربُ الشَّايَ مع الجنود

في المُعسكراتِ الخشِنه

وترفعُ الرايةَ,

حتى تستردَ المدنَ المرتهنَة

وتطلقُ النارَ على جوادِكَ المِسكينْ

حتى سقطتَ - أيها الزَّعيم

واغتالتْك أيدي الكَهَنه!

***

(وطني لو شُغِلتُ بالخلدِ عَنه..)

(نازعتني - لمجلسِ الأمنِ - نَفسي!)

***

نم يا صلاحَ الدين

نم.. تَتَدلى فوقَ قَبرِك الورودُ..

كالمظلِّيين!

ونحنُ ساهرونَ في نافذةِ الحَنينْ

نُقشّر التُفاحَ بالسِّكينْ

ونسألُ اللهَ "القُروضَ الحسَنه"!

فاتحةً:

آمينْ


أمل دنقل

 
Design by Free Wordpress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Templates | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة