‏إظهار الرسائل ذات التسميات عظماء الإسلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عظماء الإسلام. إظهار كافة الرسائل

محمد بن أبي عامر – الحاجب المنصور

محمد بن أبي عامر – الحاجب المنصور


د. راغب السرجانيمحمد بن أبي عامر
نشأة ابن أبي عامر

محمد بن أبي عامر هو محمد بن عبد الله بن عامر بن أبي عامر بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك المعافري، وكان جدُّه عبد الملك المعافري من العرب الفاتحين الذين دخلوا الأندلس مع طارق بن زياد -رحمه الله، فنزل بالجزيرة الخضراء في جنوب الأندلس، واستقرَّ بها، وكان والد المنصور (عبد الله بن عامر) من أهل الدين والعفاف والزهد في الدنيا والقعود عن السلطان، وقد مات في مدينة طَرَابُلُس الغرب وهو عائد من أداء فريضة الحج، وأمه هي بُرَيْهَة بنت يحيى من قبيلة بني تميم العربية المعروفة.



نشأ محمد بن أبي عامر في هذا البيت نشأة حسنة، وظهرت عليه النجابة منذ نعومة أظافره، وقد سار على خطى أهله وسَلَك سبيل القضاء؛ فتعلَّم الحديث والأدب، ثم سافر إلى قُرْطُبَة ليُكمل تعليمه.


ابن أبي عامر في قصر الخلافة

كان ابن أبي عامر ذا طموح كبير وهمة عالية وذكاء وقَّاد، وعمل كاتبًا للقاضي محمد بن إسحاق بن السليم، الذي رأى من نبوغه ما جعله يوصي به عند الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي، وكان من تصاريف القدر أن وَلدت صبح البشكنسية –جارية الخليفة الحكم المستنصر- ولدها الأول عبد الرحمن فطلب الحكم المستنصر وكيلاً لولده عبد الرحمن، يقوم على ولده ويرعاه، فرشَّح الحاجب المصحفي هذا الفتى النابه محمدَ بن أبي عامر لذلك، وأثنى عليه عند الحكم المستنصر، فولاه الحكم المستنصر وكالة ابنه عبد الرحمن بالفعل سنة (356هـ).



وقد أُعجب الحكم المستنصر بأخلاق محمد بن أبي عامر، وذكائه ونباهته وحُسن تصرُّفه، كما بهره هذا النبوغ العلمي الذي يحوزه ذلك الشاب، ولقد كان الحكم –كما سبق- عالمًا وخبيرًا بالأنساب ومؤرخًا، فلا شَكَّ أن هذا كان من أهم أسباب تقريبه لابن أبي عامر وحبِّه إيَّاه.



توفي عبد الرحمن طفلاً صغيرًا، ثم لم يلبث أن ولدت صبح ولدها الثاني هشامًا، فتولَّى وكالته -أيضًا- ابن أبي عامر سنة (359هـ)، ولم يلبث أن تدرَّج في المناصب العليا، فعُيِّنَ أمينًا لدار السكة، وكُلِّفَ بالنظر على الخزانة العامة وخُطة المواريث، ثم أصبح قاضيًا لإِشْبِيلِيَة ولبلة، ثم عَيَّنه مديرًا للشرطة الوسطى، ثم ولاَّه الأمانات بالعدوة، فاستصلحها واستمال أهلها، ثم عينه الحكم قاضي القضاة في بلاد الشمال الإفريقي، وأمر عماله وقوَّاده هناك ألا يقطعوا أمرًا إلاَّ بمشورته، ثم عينه الحكم المستنصر ناظرًا على الحشم وهو في مرض موته.



ومن المدهش في أمر محمد بن أبي عامر أنه لم يتولَّ عملاً إلاَّ وأداره ببراعة وكفاءة فاقت براعة سالفيه، رغم أنه دونهم في السنِّ والخبرة، وأنه كانت تزيد عليه المناصب والتكاليف فيستطيع أن يجمع بينها مهما اختلفت وتكاثرت ويُبْدي –بعد كل هذا- مهارة فائقة في الإدارة والتصرف، رغم أن الدولة كانت في عصرها الذهبي؛ أي أن الأعمال كانت في الغاية من التفنن والدقة، وتتطلب خبرة وإتقانًا.

وكان مما ساعد محمد بن أبي عامر على أن يصل إلى هذه المراتب العالية بهذه السرعة –بجانب هذه المواهب النادرة- أنه استطاع استمالة «صبح البشكنسية» أمَّ هشام المؤيد، وجارية الحكم المستنصر، بحُسن خدمته لها ولابنها، وسعة بذله في الهدايا التي كان يُهديها دائمًا إليها، فأتاها بأشياء لم يُعهد مثلها؛ حتى لقد صاغ قصرًا من فضة وقت ولايته السكة، وصرف فيه مالاً جسيمًا، حتى جاء بديعًا، لم تَرَ العيون أعجب منه ولا أحسن، ثم حُمل إليها من دار ابن أبي عامر؛ ليُشاهده الناس جميعًا، في مشهد لم يُعهد ولم يُرَ مثله من قبلُ.



على أن الحكم المستنصر لم يكن غائبًا عن هذا كله، فيُحكى أن الحكم المستنصر ظنَّ أن محمد بن أبي عامر يُتلف مال السكة (وزارة المالية) المؤتَمن عليه، فأمره الحكم بأن يُحضر المال الذي عنده ليراه بنفسه، ويتأكَّد من كماله، ويُقال: إن ابن أبي عامر كان قد استهلك بعضًا من هذه الأموال؛ ولذلك ذهب إلى الوزير ابن حدير ليُسلفه المال الناقص -وكان صديقًا له- فأسلفه ابنُ حدير المال الناقص، فعرف الحكم أنه قد أساء به الظنَّ، وزاد إعجابُ الحكم بأمانة ابن أبي عامر وحُسن تدبيره، ورفع قدره عنده، وبمجرَّد أن تأكَّد الحكم من عدم نقصان المال، أعاد ابن أبي عامر إلى الوزير ابن حدير مالَه، وهو مع هذا كله يُحسن معاملة الحاجب (رئيس الوزراء) جعفر بن عثمان المصحفي ويُداريه[1]، ويطلب منه دائمًا النصح والمشورة[2].



بعد وفاة الحكم المستنصر، وبعد القضاء على مؤامرة الصقالبة، ثم على قوة الصقالبة ونفوذهم في القصر، صفا الحال لحزب هشام بن الحكم المؤيد بالله، وهذا الحزب -كما سبق وقلنا- متمثِّل في الحاجب المصحفي، وأم الخليفة الصغير صبح البشكنسية، وهي الشخصية القوية في القصر، التي كانت أحب نساء الحكم إليه وأحظاهن عنده. ثم ابن أبي عامر الشخصية القوية التي تتولَّى العديد من الأعمال، والتي يتكئ عليها جعفر المصحفي في كل عمل مهم، وهو كذلك متصل بصبح باعتباره كان وكيلاً لولدها هشام –الذي هو الخليفة الآن- ثم تولَّى النظر على شئون الخاصة.


بين محمد بن أبي عامر وصبح البشكنسية

تذكر المصادر التاريخية أن حبًّا عظيمًا نشأ بين صبح وبين محمد بن أبي عامر، وأن هذا الحب كان ذا سهم كبير –بجانب كفاءة ابن أبي عامر- في ترقيه في مناصب الدولة، ثم في الأمور التي ستأتي فيما بعد، والحقُّ أن أمرًا كهذا لا يمكن القطع به على سبيل اليقين، وإن لم يكن مستبعدًا، فصبح شابَّة جارية كانت عند الخليفة الذي كان في مرحلة الكبر، بينما ابن أبي عامر شاب يشتعل ذكاء وحسنًا، ومقدرة على تصريف الأمور، ثم هو يتقرَّب إليها بين الحين والحين بالهدايا الفاخرة.



إلاَّ أن كل هذا لا يدفعنا للتيقُّن من وجود هذا الحب، فضلاً عن أن ندخل فيما حرَّم الله -كما فعل البعض- فنتوقَّع ما وراء هذا مما يُجاوز الحلال إلى الحرام؛ ذلك أن كل ما حدث وما سيأتي يمكن أن يُفَسَّر في إطار المصلحة المشتركة؛ ابن أبي عامر لا عصبة له ولا عائلة يتكئ عليها، فلا بُدَّ له من وجود هشام في منصب الخليفة؛ ليبقى هو في مكانته من الدولة، وصبح جارية بشكنسية فلو لم يكن ولدها في منصب الخليفة لما كان لها شأن يُذْكَر، إلى جانب ما رُكِّب في الأُمِّ من غريزة حب الولد، التي تجعلها تجاهد ما استطاعت ليكون ولدها هو الخليفة سيد البلاد.



ففي هذه اللحظة من تاريخ الأندلس كان في المشهد ثلاث شخصيات قوية: المصحفي الذي يتكئ على عصبته «المصحفيين»، وابن أبي عامر يتكئ على صبح والخليفة ومواهبه الفائفة، وصبح التي تتكئ على ولدها الخليفة وعلى ولاء محمد بن أبي عامر. ثم نُضيف إلى هؤلاء شخصية قوية رابعة ألا وهي شخصية فارس الأندلس الكبير وصاحب التاريخ الجهادي الزاهر غالب الناصري.



وكان غالب الناصري لا يحب المصحفي، ولا يراه أهلاً لأن يكون شيخَ الموالي دونه؛ ذلك أن المصحفي ليس له سابقة جهاد ولا تاريخ، كما أنه معروف بالبخل، ولم يَتَرَفَّع في مناصب الدولة إلاَّ لأنه كان -قديمًا- مُعَلِّمًا ومُرَبِّيًا للخليفة الحكم لَمَّا كان ولي العهد، فلمَّا تولى الحكم الخلافة عَهِدَ إليه بمنصب الحجابة.


هجمات النصارى على الأندلس

هجمات النصارى على الأندلسثم وقع بالأندلس حادث خطير؛ إذ ما أن علم نصارى الشمال بوفاة الحكم المستنصر، وجدوا الفرصة سانحة لنقض كلَّ ما كان بينهم وبينه من عهود ومواثيق، وشرعوا يُهاجمون الثغور الإسلامية هجمات عنيفة، بغرض الثأر من المسلمين وإضعافهم؛ فلا يجدون فرصة لاستجماع قواهم من جديد، ولا يجد حاكمهم الجديد -أيضًا- الفرصة لتوطيد مُلكه؛ فيستطيع من بعدُ أن يُوَجِّه لهم الضربات العنيفة التي اعتادوها في عهد الحكام الأقوياء؛ ومن هنا فقد اشتدَّت هجمات نصارى الشمال على الثغور الإسلامية، بل وتخطّوها حتى كادت حملاتهم تصل إلى قُرْطُبَة عاصمة الخلافة الإسلامية في الأندلس.



وكأنَّ ضعف الخليفة الصغير قد انسحب على رجال الدولة جميعًا، فلم يُقدم أحد على كفاح النصارى وردِّهم، ولا يجدون أحدًا يتقدَّم لهم؛ فغالب الناصري في مدينة سالم -وهي إحدى الثغور- يقول بأنه لا يستطيع ترك المدينة؛ وإلاَّ هوجمت. وبعض التحليلات تقول بأنه لم يشأ الخروج لملاقاة العدوِّ ليُحْرِج المصحفي، ويُثَبِّت قدره ومكانته في الدولة.



والمصحفي متردد خائر الرأي، ليس له عزيمة، ولا يدري ماذا يفعل، وهو يجبن عن الخروج لملاقاة العدوِّ، بل بلغ به الأمر -بالرغم من قوة الجيش الذي تركه الحكم المستنصر، ووفرة المال والسلاح والعتاد- أن أمر أهل قلعة رباح بقطع سدِّ نهرهم؛ ظنًّا منه أن هذا قد يُنجيهم من ضربات النصارى المتلاحقة.



وهكذا بدت هذه الدولة القوية وكأنما ستعاني وتسقط جراء خلافات رجالها، وصغر سن خليفتها، وضعف وتردُّد حاجبها ومتولِّي إدارتها.



وهنا.. نهض للأمر محمد بن أبي عامر، الذي أَنِف من تصرُّف المصحفي، ووجد فيها إعلانًا بالضعف والصغار، وكأن البلاد قد خلت من الرجال، فلا يجدون رجلاً يقود الجيوش القوية الموجودة بالفعل، فيلجئون إلى هذه الخطة الدفاعية الذليلة التي تضرُّ، وقد لا تنفع، فعرض محمد بن أبي عامر على الحاجب جعفر المصحفي أن يقوم بتجهيز الجيش للجهاد في سبيل الله، ولكن لم يجد المصحفي رجلاً يقود الجيش، فلقد جبنوا، فضلاً عن استحالة أن يقوم هو بنفسه بقيادة الجيش؛ فليست له خبرة بالجهاد من قبل، فبادر لهذه القيادة ابن أبي عامر، وقام باختيار مَنْ يخرج معه من الرجال، واحتاج في تجهيزه للجيش لمائة ألف دينار، فاستكثر ذلك بعض الحاضرين، فقال له ابن أبي عامر: «خُذْ ضِعْفَها، وامض! وليحسنْ غَنَاؤُك». فبُهت المعترض وسكت.


بروز نجم محمد بن أبي عامر

استعدَّ ابن أبي عامر لهذه الغزوة أفضل استعداد، وقاد الجند، وأخذ معه المال، وسار في رجب سنة (366هـ) إلى الشمال، وهرب من أمامه جيش النصاري، ثم استطاع الاستيلاء على حصن الحامة وربضه، وعاد إلى قُرْطُبَة بعد اثنين وخمسين يومًا من خروجه إلى الغزو محملاً بالسبي والغنائم، ففرح الناس بذلك فرحًا عظيمًا، وزاد حبُّهم وتقديرهم له؛ إذ استطاع بشجاعته وإقدامه رفع الذلِّ والعار عنهم، وكذلك أحبه الجنود الذين كانوا معه؛ لِمَا رأوا من كثرة جوده، وكرم عشرته، وشجاعته في الحرب، فأحبوه والتفُّوا حوله، وزاد هو إحسانًا إليهم.

وهكذا انتهت الغزوة الأولى لصالح المسلمين عامة، ولصالح ابن أبي عامر خاصة، ولم تفتر همة ابن أبي عامر بعد هذه الغزوة؛ بل سارع بهمة عالية إلى استغلال آثارها على كافَّة المستويات، وكانت هجمات النصارى التي تتابعت على الأندلس عقب موت الحكم، وسكوت غالب عن مواجهتها قد أضعفت مركز غالب بن عبد الرحمن وقَلَّلَتْ من شأنه.
محمد بن أبي عامر وغالب الناصري

عرف ابن أبي عامر ما في نفس غالب من العداوة للمصحفي، وبأنه يرى نفسه فوقه، ويُغضبه أن يكون المصحفي في الحجابة وفي مراتب الدولة، وهو الذي بلا تاريخ ولا سابقة، فسعى ابن أبي عامر للدفاع عن غالب عند الخليفة الصغير وأُمِّه، فرُفع بذلك قدره، وأُعطيَ لقب ذي الوزارتين، وأصبح هو وابن أبي عامر المسئولَيْنِ عن الإعداد للصوائف؛ فهو المسئول عن جيش الثغر، وابن أبي عامر المسئول عن جيش الحضرة (أي الجيش المكلف بالدفاع عن قُرْطُبَة)، وفي عيد الفطر من العام نفسه (366هـ) اتجه ابن أبي عامر بالجيش إلى الشمال، واجتمع ابن أبي عامر بغالب بن عبد الرحمن في مدينة مجريط (مدريد الآن)، واتجها بالجيش إلى قشتالة، وفتحا حصن مُولَة، وغنموا وسبوا كثيرًا، وكان غالب ورجاله قد أبلوا أحسن البلاء، حتى كانوا سببًا في هذا الفتح.



وكان غالب قد أحب ابن أبي عامر لما رآه من مواهبه، أو لما رأى من سعيه للدفاع عنه ورَفْع قدره عند الخليفة وأمه، ودوره في أن يُلَقَّب بذي الوزارتين، أو لما كان من العداوة بينه وبين للمصحفي؛ فمن ثَمَّ رأى أن ابن أبي عامر أحق بالحجابة من المصحفي.



أيًّا ما كان الأمر، لسبب مما سبق أو لكل هذه الأسباب معًا، فلقد توطَّدت العلاقة بين غالب الناصري ومحمد بن أبي عامر، إلى الحدِّ الذي تنازل فيه غالب عمَّا أبلاه وجنوده في الفتح، فنُسب ذلك كله إلى ابن أبي عامر، فأرسل الرسائل إلى قُرْطُبَة تُشيد بما كان منه ومن بطولته وجهاده، وعظم الفتح الذي تمَّ على يديه، ثم اتفقا على عزل المصحفي، ذلك الحاجب الضعيف المتردِّد الرأي، وقال غالب لمحمد بن أبي عامر: «سيظهر لك بهذا الفتح اسم عظيم وذِكْر جليل، يشغلهم السرور به عن الخوض فيما تُحدثه من قصة، فإيَّاك أن تخرج عن الدار حتى تعزل ابن جعفر عن المدينة وتتقلدها دونه!»؛ لأن ابن جعفر المصحفي كان متوليًا لقُرْطُبَة العاصمة، وعَزْل هذا الوالي أول طريق عزل المصحفي عن الحجابة.



عاد ابن أبي عامر إلى قُرْطُبَة ومعه الغنائم والسبي، فاستمال بهذا الفتح الكبيرِ العامةَ والخاصةَ، وعَرفوا فيه حُسن النقيبة، وبُعد الهمة، فما كاد يصل ابن أبي عامر إلى قُرْطُبَة حتى أمر الخليفة في اليوم نفسه بعزل محمد بن جعفر المصحفي عن مدينة قُرْطُبَة، وتولية ابن أبي عامر المدينة، فأظهر ابن أبي عامر في حُكم المدينة كفاءة منقطعة النظير؛ حتى إن ابن عذاري المراكشي يصف ما قام به بالنسبة إلى فعل ابن المصحفي فيقول: «فضبط محمد المدينة ضبطًا أنسى أهل الحضرة (أي قُرْطُبَة) مَنْ سلف من أفراد الكُفَاة[3] وأُولي السياسة، وقد كانوا قبله في بلاء عظيم، يتحارسون الليل كله، ويُكابدون من روعات طُرَّاقه ما لا يُكابد أهل الثغور من العدوِّ. فكشف الله ذلك عنهم بمحمد بن أبي عامر وكفايته، وتنزُّهه عما كان يُنسب لابن جعفر؛ فسدَّ باب الشفاعات، وقمع أهل الفسق والذعارات، حتى ارتفع البأس، وأَمِنَ الناس، وأمنت عادية المتجرِّمين من حاشية السلطان؛ حتى لقد عثر على ابن عم له يعرف بعسقلاجة؛ فاستحضره في مجلس الشرطة وجلده جلدًا مبرحًا كان فيه حمامه[4]؛ فانقمع الشرُّ في أيامه جملة»[5].



ولما رأى الحاجب جعفر المصحفي ما آل إليه أمر ابن أبي عامر من القوة، وما بدا من تضعضع قوته وانحسار نفوذه، بادر إلى استمالة غالب، فخطب ابنة غالب لابنه، وما أن علم ابن أبي عامر بالأمر، حتى أرسل إلى غالب يُناشده العهد، ويخطب ابنة غالب لنفسه، وسانده في ذلك أهل دار الخلافة، فخرج طلب خطبة أسماء إلى ابن أبي عامر من قصر الخلافة في الزهراء، وبهذا كان الميزان كله في صالح ابن أبي عامر، فوافق غالب على تزويج ابنته أسماء له، وتم عقد القران بالفعل في المحرم سنة (367هـ)، وعندها أيقن المصحفي بالنكبة، وكفَّ عن اعتراض ابن أبي عامر في شيء، وانفضَّ الناس عن المصحفي، وأقبلوا على ابن أبي عامر إلى أن صار المصحفي يغدو إلى قصر قُرْطُبَة ويروح وهو وحده وليس بيده من الحجابة سوى اسمها.


نهاية جعفر المصحفي

وبعد أن تمَّ عقد قران ابن أبي عامر على أسماء ابنة غالب، خرج ابن أبي عامر في غزوته الثالثة، فخرج إلى طليطلة في غرَّة صفر 367هـ، واجتمع مع صهره غالب، ونهضا معًا إلى الشمال النصراني، فافتتحا حصن المال، وحصن زنبق، ودخلا مدينة شلمنقة، واستولوا على أرباضها، ثم عاد ابن أبي عامر بالغنائم والسبي، وبعدد كبير من رءوس النصارى، بعد أربعة وثلاثين يومًا من خروجه، فزادت حفاوة الخليفة به، وقلده خُطَّة الوزارتين للتسوية بينه وبين صهره، ورفع راتبه إلى ثمانين دينارًا في الشهر، وهو راتب الحجابة في ذلك الوقت، ثم زُفت أسماء بنت غالب إلى محمد بن أبي عامر في ليلة النيروز من قصر الخليفة في عرس لا مثيل له في الأندلس، ثم قلَّده الخليفة خُطَّة الحجابة إلى جانب جعفر المصحفي، ثم تغيَّر الخليفةُ على جعفر وسخط عليه، وأمر بعزله هو وأولاده وأقاربه عن أعمالهم في الدولة، والقبض عليهم، فسارع محمد بن أبي عامر إلى محاسبتهم حتى استصفى كل أموالهم، ومزَّقهم كل ممزق، وأيقن جعفر المصحفي بأنه هالك لا محالة، فحاول استرضاء ابن أبي عامر إلاَّ أن ذلك لم يُجْدِ شيئًا، حتى توفي سنة (372هـ) في سجنه، وقيل: قُتل. وقيل: دست إليه شربة فيها سُمّ[6].



ويُعلِّق ابن حيان على ما آل إليه أمر جعفر المصحفي فيقول: «وكانت لله عند جعفر في إيثاره هشامًا بخلافته، واتباع شهوة نفسه وحظِّ دنياه، وتسرُّعه إلى قتل المغيرة لأول وهلة، دون قصاص جريرة استدركته دون إملاء، فسُلط عليه مَنْ كان قدر أن يتسلط على الناس باسمه»[7].



[1] دارى: أي لاينه ورفق به، وأحسن صحبته واحتماله له؛ لئلاَّ ينفر منه. ابن منظور: لسان العرب، مادة درى 14/254.

[2] ابن عذاري: البيان المغرب، 2/،256 وما بعدها بتصرف.

[3] الكُفاة: الخدم الذين يقومون بالخدمة؛ جمع كافٍ. ابن منظور: لسان العرب، مادة كفى 15/226.

[4] أي مات من الجلد، وكان قد جلده في حد شرب الخمر.

[5] ابن عذاري: البيان المغرب، 2/266.

[6] ابن عذاري: البيان المغرب، 2/264، بتصرف.

[7] انظر: ابن بسام: الذخيرة 7/65.

الحسن بن الهيثم



هو العالم العربي محمد بن الحسن بن الهيثم أبو على البصري،

عالم بصريات وهندسة له العديد من المؤلفات والمكتشفات العلمية التي

أكدها العلم الحديث.

مولده ونشأته

ولد ابن الهيثم في مدينة البصرة في العراق سنة 354 هجرية- 965 ميلادية، في عصر

كان يشهد ازدهارا في مختلف العلوم من رياضيات وفلك وطب وغيرها، هناك أنكب

على دراسة الهندسة و البصريات وقراءة كتب من سبقوه من علماء اليونان و العالم

الأندلسي الزهراوي وغيرهم في هذا المجال، كتب عدة رسائل وكتب في تلك العلوم

وساهم على وضع القواعد الرئيسية لها, وأكمل ما كان قد بدئه العالم الكبير الزهراوي.

أشهر أعماله


المناظر (أو علم الضوء) - صورة الكسوف - اختلاف منظر القمر - رؤية الكواكب - التنبيه

على ما في الرصد من الغلط - تربيــــع الدائرة - أصول المساحة - أعمدة المثلثات -

المرايا المحرقة بالقطـــــوع - المرايا المحرقة بالدوائر - كيفـيات الإظلال - رســــــالة في

الشفق - شــرح أصول إقليدس في الهندسـة والــعدد - الجامع فـي أصول الحساب -

تحليل المسائل الهندسية - تحليل المسائل العـددية. ولابن الهيثم أكثر من 80 كتابا

ورسالة، عرض فيها لسير الكواكب والقمر والأجرام السماوية وأبعادها.

مؤلفاته


لابن الهيثم الكثير من المؤلفات التي يصل عددها الى ثمانين كتابا ورسالة في

مختلف العلوم، ولعل أهم تلك المؤلفات كتاب المناظر الذي وضع فيه نظريته المعروفة

التي أصبحت أساس علم البصريات فيما بعد وتنص على ان العين تتمكن من الرؤية

بانبعاث أشعة من الأجسام باتجاهها وهذا ما اثبته العلم الحديث مخالفا بذلك العالم

اليوناني بطليموس الذي قال ان العين تخرج أشعة باتجاه الاجسام للتتمكن من رؤيتها.


تأثيره على العلم الحديث


درس إبن الهيثم ظواهر إنكسار الضوء و إنعكاسه بشكل مفصّل ، وخالف الآراء القديمة

كنظريات بطليموس ، فنفى ان الرؤية تتم بواسطة أشعة تنبعث من العين ، كما أرسى

أساسيات علم العدسات وشرّح العين تشريحا كاملا .

وفاته


توفي ابن الهيثم في مدينة القاهرة في مصر سنة 1038م عن عمر 73 عام.

ابن بطوطة



ولد ابن بطوطة في طنجة بالمغرب عام 1304 لعائلة عرف عنها عملها في القضاء. وفي فتوته درس الشريعة وقرر عام 1325, وهو ابن 21 عاماً, أن يخرج حاجاً. كما أمل من سفره أن يتعلم المزيد عن ممارسة الشريعة في أنحاء بلاد العرب.


في أول رحلة له مر ابن بطوطة في الجزائر وتونس ومصر وفلسطين وسوريا ومنها إلى مكة. وفيما يلي مقطع مما سجله عن هذه الرحلة:


"كان خروجي من طنجة مسقط رأسي... معتمداً حج بيت الله الحرام وزيارة قبر الرسول عليه الصلاة والسلام, منفرداً عن رفيق آنس بصحبته, وركب أكون في جملته, لباعث على النفس شديد العزائم, وشوق إلى تلك المعاهد الشريفة... فجزمت نفسي على هجر الأحباب من الإناث والذكور, وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكور, وكان والداي بقيد الحياة فتحملت لبعدهما وصباً, ولقيت كما لقيا نصباً."


في تلك الأيام الخوالي, كان السفر عبر هذه المسافات الشاسعة والمغامرة بدخول أراض غريبة مجازفة. غير أن ابن بطوطة كانت لديه الجرأة, أو على الأقل العزم, بما يكفي للشروع في رحلته وحيداً على حمار. وفي الطريق, التحق بقافلة من التجار, ربما بدافع السلامة, وكانت القافلة تتكاثر مع الطريق بانضمام المزيد إليها. ومع وصولهم القاهرة كان تعداد القافلة قد بلغ عدة آلاف من الرجال ولم يتوقف بعد عن الازدياد. ولابد أن ابن بطوطة قد أحس بإثارة بالغة لتقدم رحلته. فقد كانت أول تجاربه المباشرة في تعلم المزيد عن أكثر ما يهواه, وهو دار الإسلام. فقد قابل علماء المسلمين واكتسب مزيداً من المعارف الدينية والشرعية.


الجزائر وليبيا


حين وصولهم إلى الجزائر, أمضت القافلة بعض الوقت خارج أسوار المدينة لينضم إليها مزيد من الحجيج. وعند مدينة بجاية, تدهورت صحة ابن بطوطة. غير أنه بقي عازماً على مواصلة المسير وعدم التخلف عن الركب بسبب صحته. ومشيراً إلى هذا الحادث يقول: "إذا ما قضى الله أجلي, فسيكون موتي على الطريق, ميمماً وجهي شطر مكة."

وأثناء مسيرة القافلة في أراضي ليبيا, وجد ابن بطوطة أن من المناسب له أن يتزوج ابنة تاجر تونسي مسافر معهم في القافلة إلى الحج. وقد تزوجها ابن بطوطة في مدينة طرابلس, غير أن الزواج لم يعمر طويلاً بسبب خصومته مع حميه الجديد. لكن على ما يبدو لم يزعج هذا ابن بطوطة كثيراً فسرعان ما خطب فتاة أخرى هي ابنة حاج من فاس. وفي هذه المرة كان حفل الزفاف يوماً كاملاً من الاحتفالات


مصر وسوريا

بدأت القافلة تقترب من مصر. وقد أذهلت القاهرة ابن بطوطة, إذ كانت كما هي اليوم, أكثر المدن العربية صخباً ونشاطاً ولهذا قرر أن يمضي فيها بضعة شهور. إذ لا يزال على موعد الحج على أية حال ثمانية شهور. كانت القاهرة كما وصفها ابن بطوطة "أم المدن, سيدة الأرياف العريضة والأراضي المثمرة, لا حدود لمبانيها الكثيرة, لا نظير لجمالها وبهائها, ملتقى الرائح والغادي, سوق الضعيف والقوي... تمتد كموج البحر بما فيها من خلق بالكاد تسعهم..."



بقي ابن بطوطة في القاهرة قرابة شهر. وحين رحيله عنها قرر أن يسلك طريقاً غير مباشر إلى مكة مادامت شهور عديدة تفصله عن موعد الحج. ومضى إلى دمشق, التي كانت حينها العاصمة الثانية للدولة المملوكية في مصر. لم يكن هذا الجزء من رحلة ابن بطوطة مليئاً بالأحداث, ربما لاستتباب الأمن فيه نسبياً في عهد المماليك. لكن دمشق سحرت ابن بطوطة بجو التسامح والتعاضد الذي يسود فيها. وعنها يقول: "تنوع ونفقات الأوقاف الدينية في دمشق تتجاوز كل حساب. هناك أوقاف للعاجزين عن الحج إلى مكة, ومنها تدفع نفقات من يخرجون للحج نيابة عنهم. وهناك أوقاف أخرى توفر أثواب الزفاف للعرائس اللائي تعجز عوائلهن عن شرائها, وأوقاف أخرى لعتق رقاب السجناء. وهناك أوقاف لعابري السبيل تدفع من ريعها أثمان طعامهم وكسائهم ونفقات سفرهم لبلدانهم. كما أن هناك أوقافاً لتحسين ورصف الدروب, لأن كل الدروب في دمشق لها أرصفة على جانبيها يمشي عليها الراجلون, أما الراكبون فيمضون في وسط الدرب."



أخيراً مضى ابن بطوطة للحج. وبعد قضائه مناسك الحج, أدرك أن نفسه تواقة أكثر من أي وقت مضي لمواصلة الترحال. ولم يكن لديه بلاد بعينها يريد أن يقصدها, بل كان هدفه الوحيد هو زيارة قدر ما يستطيع من البلدان, لكنه توخى أن يعبر دروباً مختلفة. وهكذا تنقل في الشرق الأوسط بأكمله, من إثيوبيا جنوباً إلى فارس شمالاً. "ثم سافرنا إلى بغداد, دار السلام وعاصمة الإسلام. فيها شاهدت جسرين كالذي في الحلة, يعبرهما الناس صباح مساء, رجالاً ونساء. الدروب إلى بغداد كثيرة ومعمرة بإتقان, معظمها مطلي بالزفت من نبع بين الكوفة والبصرة يفيض منه بلا انقطاع. ويتجمع على جوانب النبع كالطين فيجرف من هناك ويؤتى به إلى بغداد. في كل معهد ببغداد عدد من الحمامات الخاصة به, وفي كل منها جرن اغتسال عند أحد أركانها يتدفق الماء فوقه من صنبورين أحدهما للماء الساخن والآخر للبارد. ويعطى كل مغتسل ثلاث مناشف, واحدة ليلفها حول خصره حينما يدخل والأخرى ليلفها حول خصره حينما يخرج والثالثة ليجفف بها جسده."


ثم توجه ابن بطوطة شمالاً ليستطلع بحر قزوين والبحر الأسود وجنوب روسيا. لكن أسفاره اللاحقة الأكثر متعة كانت إلى الشرق في آسيا. فقد قصد الهند حيث نال هناك إعجاب الإمبراطور المغولي لمعارفه وقصصه. وعرض الإمبراطور على ابن بطوطة منصباً في بلاطه فقبله. وهذا ما أتاح له الفرصة ليجوب كل أنحاء الهند. وبعد اكتسابه معرفة وفيرة ببلاد الهند لكثرة أسفاره فيها, أرسله الإمبراطور سفيراً للهند إلى الصين. وكان مقدراً لهذه الرحلة أن تكون الأخيرة قبل عودته ابن بطوطة لوطنه. فرغم بعد المسافة قرر أن يقصد المغرب. وقد وصل شمال غرب إفريقيا عام 1351. وقبل عودته أخيراً إلى فاس في المغرب عام 1353 خرج في رحلة صغيرة إلى إسبانبا ثم في سفرة جنوبية إلى الصحراء الكبرى.


بعد 30 عاماً من الترحال والاستكشاف, قرابة عام 1350, بدأ ابن بطوطة طريق عودته إلى وطنه. وأخيراً عاد إلى مدينة فاس في المغرب. وهناك, في بلاط السلطان ابن عنان, قرأ أوصاف ما رآه في أسفاره على ابن الجوزي. الذي خط منها كتاباً. وهذا الكتاب موجود بين أيدينا اليوم ويعرف بعنوان "رحلات ابن بطوطة".

‫قراقوش !!






قراقوش شخصية تاريخية حقيقية اسمه قراقوش بن عبد الله الأسدي ولقبه بهاء الدين وكنيته أبو سعيد, أما اسمه فمعناه في التركية: النسر الأسود, أما كونه ابن عبد الله فلأنه لا يُعرف مَنْ أبوه, أما الأسديّ فنسبة إلى القائد أسد الدين شيركوه (ت 564هـ) عمّ صلاح الدين الأيوبي, وكان لأسد الدين مجموعة من الفتيان تسمّى الأسدية.

قراقوش أصله رومي, من آسيا الصغرى, كان عبداً, هرب من العبودية, وتقاذفته البلدان حتى إلى الشام, وهناك انضم إلى أسد الدين وهو شيركوه بن شاذي, كان من كبار القادة العسكريين في جيش نور الدين بدمشق, وأظهر قراقوش بطولة وهمةً عاليتين مما رفع من شأنه في نظر شيركوه.

بعد وفاة شيركوه انضمّ جنده وعساكره (الأسدية) إلى عسكر ابن أخيه الملك الناصر صلاح الدين, وكان من بينهم القائد قراقوش الذي ساهم في حفظ ثروة آخر خليفة فاطمي بعد وفاته وهو العاضد عام 567 هـ
.
وقدّمها تامة إلى صلاح الدين, وكانت ذات أثر في تثبيت دعائم الدولة وبناء بعض تحصيناتها الهامة التي كُلّف قراقوش بتنفيذها.

بنى قراقوش قلعة القاهرة, وجلب أحجار البناء من بعض الإهرامات الصغيرة التي كانت في الجيزة, وسخّر الآلاف من الأسرى وغيرهم في بنائها, وقدّرهم المقريزي بنحو من خمسين ألفاً, وقد حفر فيها قراقوش بئراً عُدّت من العجائب, وهناك لوحة نقش عليها تاريخ وبناء القلعة, وهذا نص النقش:

"أمر بإنشاء هذه القلعة الباهرة المجاورة المحروسة القاهرة بالعرمة التي جمعت نفعاً وتحسناً, وسعة على مَنْ التجأ إلى ظلّ ملكه وتحصنا, مولانا الملك الناصر صلاح الدين والدنيا أبو المظفر يوسف بن أيوب محيي دولة أمير المؤمنين في نظر أخيه ووليّ عهده الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن خليل أمير المؤمنين, على يد أمير مملكته ومُعين دولته قراقوش بن عبد الله المالكي الناصري في سنة تسع وسبعين وخمسمائة"

وحفر حول القلعة خندقاً عظيماً عدّه الرحالة ابن جبير من العجائب الباقية, كما بنى قراقوش سوراً حول القاهرة انتهى منه بعد وفاة صلاح الدين, كذلك قام بتحصين دمياط وبنى قلعة سيناء قرب عين صدر وقلعة فرعون في خليج العقبة, وهدم جامع المقس وبنى مكانه برجاً كبيراً عُرف ببرج قراقوش. وإضافة إلى هذه الأعمال العسكرية فإنه بنى قناطر الجيزة وهو مشروع زراعي عظيم, كما بنى رباطاً بالمقس وخان سبيل على باب الفتوح بظاهر القلعة للفقراء وأبناء السبيل, وكان هناك ميدان في القاهرة اسمه ميدان قراقوش خارج باب الفتوح.

بعد معركة حطين وفتح القدس خرج صلاح الدين إلى عكا وقرر تجديد أسوارها وتعلية أبراجها, وعمارة قصورها ودورها, لذلك أرسل صلاح الدين إلى قراقوش يستدعيه إلى عكا, فوصل إليها سنة 584 ه ومعه معاونوه من العمال والمهندسين, ولم يكد يبدأ بناءه لعكا حتى بدأ حصار الصليبيين لها في رجب سنة 585ه واستمروا في حصارها حتى سنة 586ه وتكبدوا خسائر فادحة, لكنّ الإمدادات التي وصلتهم أدّت إلى سقوط عكا, وكان قراقوش بين الأسرى, وظل أسيراً حتى دخلت سنة 588ه وفيها افتداه صلاح الدين بفدية عظيمة تراوح تقديرها ما بين عشرة آلاف وستين ألف دينار, واستقبله صلاح الدين بطبرية بالبِشْر والبر ثم صحبه معه إلى دمشق, ثم أرسله إلى مصر وكانت هذه أخرَ مرّة يرى فيها قراقوش صلاحَ الدين الذي توفى في صفر سنة 589ه بدمشق.

ظل قراقوش مخلصاً لابن صلاح الدين وهو الملك العزيز ملك مصر وكان ساعده الأيمن في الملمات والكوارث وخصوصاً في سنة 591 592ه عندما انخفض ماء النيل وانتشر الوباء وكثر الأموات في الطرقات...

وبعد وفاة العزيز أصبح قراقوش وصياً على العرش, وقام بذلك على أكمل وجه, لكنّ فتنة عاتية أطلّت برأسها, وانتهت بمصر إلى يد الملك العادل, ولم يكن أمام قراقوش إلا أن يعتزل الحياة العامة, فحبس نفسه في منزله عدة أشهر إلى أن وافاه الأجل في مستهل رجب سنة 597ه ودفن في تربته المعروفة باسمه في سفح جبل المقطم

..لقد عمد الأسعد بن مماتي (ت 606ه) الذي كان رئيساً على ديوان الجيش وديوان المال, وكان شاعراً أديباً إلى تشويه شخصية قراقوش الذي كان منافساً له في المنزلة لدى صلاح الدين, فصنّف كتاباً سماه "الفاشوش في حكم قراقوش" وقال في مقدمته أنه صنف هذا الكتاب لصلاح الدين ليريح المسلمين من حكم قراقوش... لم يؤثر هذا الكتاب في صلاح الدين, بل إن منزلة قراقوش كانت عالية جداً واستمرت كذلك, لكنّ حكايات الكتاب شاعت بين الناس وأصبح مثلَ "حكْم قراقوش" يضرب للطيش والبطش والجور والظلم, ثم قام جلال الدين السيوطي (ت 911ه) فأعاد تأليف كتاب الأسعد بن مماتي ذاكراً تلك الأخبار والأحكام التي تدل على الغفلة وضعف المحاكمة أو خبثها... وهذه الصفات كلها على خلاف, ما كان عليه قراقوش..

أبو بكر الرازي

أبو بكر الرازي





سيرته:

هو أبو بكر محمد بن زكريا المعروف بالرازي، ولد جنوبي طهران سنة 865م وفي الثلاثين

من عمره انتقل إلى بغداد واستقر بها، عايش الخليفة العباسي عضدالدولة وتتلمذ في

علوم الطب على يد علي بن زين الطبري (صاحب أول موسوعة طبية عالمية

"فردوس الحكمة" )، والفلسفة على يد البلخي.

كان الرازي أيام عصره متقناً لصناعة الطب، عارفاً بأوضاعها وقوانينها، تشدّ إليه الرحال

لأخذها عنه، صنَّف الكثير منالكتبه القيِّمة، وترك بصمات هامة في تاريخ الأدب الطبي،

والألقاب التي أُطلقت عليه تعبِّر بشكل صريح عن عبقرية هذا العالِم وتميّزه، ومن هذه

الألقاب: أمير الأطباء،أبقراط العرب، جالينوس العرب، منقذ المؤمنين.

عندما أسس عضد الدولة المستشفى العضدي جمع أشهر الأطباء على امتداد

الإمبراطورية ففاق عددهم المائة طبيب، فاختارخمسين منهم ليكونوا طاقم المستشفى

فكان الرازي منهم، ثمّ انتقى عشرة أطباء كرؤساء للأقسام فكان الرازي أبرزهم، وبالنظر

لمؤهلاته جعله رئيساً لأطباء المستشفى، ولم يمضِ وقت طويل حتى ذاعت شهرته في

طول البلاد وعرضها، وزحف طلاب العلم قاصدين بغدادلتلقي المعرفة على يديه، فأصبح

حجَّة في علم الطب ومرجعاً للحالات المستعصية حتى لقب "بجالينوس العرب".

آثاره:


ترك الرازي مكتبة غنية وإنتاجاً غزيراً إذ بلغت مؤلفاته مائتين وواحدا وسبعين كتاباً، أكثرها في

الطب وبعضها في الكيمياء والعلوم الطبيعية والرياضيات والمنطق والفلسفة والعلوم الدينية

والفلك، وأعظم مؤلفاته وأشهرها على الإطلاق كتاب * "الحاوي في الطب" الذي سجَّل

فيه الطب الهندي والفارسي والعربي مع سجل كبير من الحالات السريرية المتميزة،

ووضع فيه تجاربه الشخصية لدعمالنظريات السابقة أو لدحضها، ويقع الكتاب في ثلاثين جزءا

تتضمن ذكر الأمراض ومداواتها مما هو موجود في سائر الكتب الطبية التي صنفها السابقون

ومن أتى بعدهم حتى أيامه، ومن جليل فضله أنه كان ينسب كل شيء نقله إلى صاحبه،

وهذا يدل على مبلغ أمانته العلمية واعترافه بفضل المتقدمين، ويذكر المؤرخ ماكس مايرهوف

أنه في عام1500م كان هناك خمس طبعات لكتاب الحاوي مع عشرات الطبعات لأجزاء منه.
وله أيضا كتب أخرى قيمة منها:

* كتاب "المنصوري" في علم الطب وترجم إلى اللاتينية والإنكليزية والألمانية والعبرية.

* رسالته الرائعة في "الجدري والحصبة" تعتبر من أروع الرسائل العلمية المفصلة في وصف

هذين المرضين ووضع التشخيص التفريقي بينهما وكيفية علاجهما

* كتاب "لمن لا يحضره طبيب"، عبارة عن كتاب شعبي يُسهب في وصف العلل وأعراضها

وعلاجها بالأدوية والأعشاب التي يمكن أن تتوفر في كل منزل، وعُرف هذا الكتاب بـ

"طبالفقراء".

* كتاب "الأسرار في الكيمياء" هذا الكتاب بقي لمدة طويلة مرجعاً أساسياً لمدارس

الغرب والشرق.

هذا بالإضافة إلى أكثر من 200 كتاب في الطب، لذلك وصف "أ. براون" الرازي قائلاً: إنَّه من

أقدر الأطباء المسلمين وأكثرهم ابتكاراً وأعظمهم إنتاجاً.

وأما ابتكاراته الطبية والعلمية فنذكر منها:


* الرازي هو أول من أدخل الملينات في علم الصيدلة، وهو أول من اعتبر الحمى عرضاً

وليست مرضا .

* وهو أوَّل من ابتكر طريقة أخذ المشاهدات السريرية ومراقبة المريض وتسجيل ما يبدو

عليه من أعراض، ليستنتج من ذلك أحواله وتطورات مرضه.

* للرازي طرائق هامة في الطب التجريبي تضمَّنها كتاب الحاوي

* اهتمَّ الرازي اهتماماً كبيراً بالأمراض النفسية وارتباط التأثيرات النفسية على مجمل

الصحة العامة.

* وهو أول من خاط جروح البطن بأوتارالعود.

* وهو أول من عالج الخراجات بالخزام.

* له في الكيمياء اكتشافات هامة أهمها حمض الكبريت وكان يسميه زيت الزاج.

* أول من استقطر المواد السكرية والنشوية المتخمرة واستحصل منها على الكحول.

*اشتغل الرازي بتعيين الكثافات النوعية للسوائل وصنف لقياسها ميزاناً خاصاً أطلق عليه

اسم"الميزان الطبيعي".

خاتمة:

عاش هذاالعبقري أيامه الأخيرة في فقر مدقع، لكن شهرته بقيت تجوب الآفاق، واسمه بقي

لامعاً في سجل الخالدين، فنرى أنَّ الملك الفرنسي الشهير "لويس الحادي عشر" قد دفع

الذهب الوفير وبطيب خاطر لينسخ له أطباؤه نسخة خاصة من كتاب الحاوي كي يكون لهم

مرجعاً إذا أصابه مرض ما، والشاعر الإنكليزي القديم "جوفري تشوسر" يأتي على ذكر الرازي

فيإحدى قصائده المشهورة في كتابه "أقاصيص كونتربري"، وأطلقت جامعة بريستون

الأميركية اسمه على أكبر أجنحتها تقديراً له، وفي كلية الطب بجامعة باريس نجد نصباً

تذكارياً للرازي مع صورة له في شارع سان جرمان، كما ويطلق اسمه على الكثير من

مستشفيات وقاعات التدريس والساحات في الدول العربية والإسلامية.

مما يجدر ذكره في نهاية هذه العجالة السريعة التي تخص علماً من أعلام الحضارة العربية

الإسلامية وعبقرياً من عباقرة التاريخ الذين خُلِّدوا في سجل الحضارة الإنسانية، أن

اسم الرازي يزيِّن الكثير من كتب الغرب ويُعرف في اللغات الأجنبية باسم رازيس (Rhazes)




الخوارزمي وعلم الجبر


أسسه العالم الإسلامي الكبير محمد بن موسي الخوارزمي ووضع له من الأصول والقواعد مما جعله علم خاص ومستقل

الخوارزمي هو أول من استعمل لفظة جبر ومازال الغرب يستعملونه بالإسم العربي كما يرجع الفضل اليه في تعريف الناس بالعربية لذا كان أهلا لتسميته أبو الجبر

ومن الغريب والمحزن أن تعرف العمليات الحسابية بAlgurismo وتترجم الي العربية باللوغاريتمات وهي في الأصل منسوبة الي الخوارزمي أي أنها يجب أن تترجم الي الخوارزميات أو الجداول الخوارزمية

وقد أصبح كتابه (الجبر والمقابلة) مصدراً أساسياً للرياضيات في أوروبا حتي القرن السادس عشر وقد أكمل المسيرة بعد الخوزارزمي أبو كامل شجاع المصري وأبو بكر الكرخي وعمر الخيام وغيرهم من علماء المسلمين الذين نبغو في هذا المجال

ويعد إدخال الصفر (0) من أهم إكتشافات المسلمين في الجبر ومن دونه لما تقدمت مجتمعات ولم تحل الكثير من المعضلات الرياضية

ومن مآثر المسلمين أنهم عرفوا حل المعادلات من الدرجة الثانية وهي نفس الطريقة المستعملة الي الآن في كتب الجبر الحديثة وأن للمعادلات جذرين وابتكروا الطرق الهندسية لحل هذه المعادلات وأيضا حل العمليات الهندسية بطريقة جبرية

وإذا كان ينسب الي العالم الرياضي ستيفن استعمال الكسر العشري فإن العالم المسلم غياث الدين جمشيد الكاشي هو أول من وضع علامة الكسر العشري واستعملها قبل ستيفن ب175 سنة وبين فوائدها وطريقة الحساب بها وقد ورد ذلك في كتابه (مفتاح الحساب)

ومما يؤسف انتساب اختراع العلامات الحسابية الأولية للعالم الفرنسي فرانسيس اللذي عاش بين 1540-1603 م بينما اخترعها علماء المسلمين بعد الخوارزمي ومن مؤفات القلصادي الأندلسي ما يثبت ذلك

ويعد حل عمر الخيام للمعادلات ذات الدرجة الثالثة بواسطة القطوع المخروطية من أعظم الأعمال التي قدمها المسلمون للبشرية كلها وقد تحدث عمر الخيام عن الإحداث الأفقي (السيني) عند حله للمعادلات التكعيبية باستخدام القطع المكافئ والدائرة وفسر الاحداثيين للنقطة مما يؤكد أنه أول من وضع لبنات الهندسى التحليلية وليس رينيه ديكارت اللذي طورها وأرسي أصولها

المصدر: من كتاب ماذا قدم المسلمون للعالم؟ لد راغب السرجاني بتصرف


أبو القاسم الزهراوي


أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي (936 - 1013م)، عالِم وطبيب أندلسي مسلم، ولد في الزهراء ب الأندلس عام 936م. حرِّف لقبه الزهراوى في اللغات اللاتينية واللغات الأوروبية عموما إلى "Alzahravius" وحرفت كنيته إلى Abulcasis. ويعتبر أشهر جراح مسلم في العصور الوسطى، والذي ضمت كتبه خبرات الحضارة الإسلامية وكذلك الحضارة الإغريقية والحضارة الرومانية من قبله. صفاته عن الزهراوى يقول "الحميدى" الأديب والمؤرخ في كتابه "جذوة المقتبس في أخبار علماء الأندلس " أن الزهراوى كان من أهل الفضل والدين والعلم كما ذكر آخرون أنه كان يخصص نصف نهاره لمعالجة المرضى مجانا قربة لله عز وجل

ما كتبه الزهراوي في التوليد والجراحة النسائية يعتبر كنزاً ثميناً في علم الطب، حيث يصف وضعيتي(TRENDELEMBURE – WALCHER)الهامتين من الناحية الطبية، إضافة إلى وصف طرق التوليد، وطرق تدبير الولادات العسيرة، وكيفية إخراج المشيمة الملتصقة والحمل خارج الرحم وطرق علاج الإجهاض وابتكر آلة خاصة لاستخراج الجنين الميت، وسبق د. فالشر بنحو 900 سنة في وصف ومعالجة الولادة الحوضية، وهو أول من استعمل آلات خاصة لتوسيع عنق الرحم، وأول من ابتكر آلة خاصة للفحص النسائي لا تزال إلى يومنا هذا

وقبل أن يطوِّر العالم الحديث الحقل الطبي كان كتاب الزهراوي الطبي إلى جانب كتاب ابن سينا، يُعتبر مرجعاً في أوروبا على مدى خمسة قرون، وهي فترة طويلة في تاريخ الطب.

كتب الزهراوي كانت أساس الجراحة في أوروبا حتى عصر النهضة. ويعتبر الزهراوي أبو الجراحة. أعظم إسهام له في الحضارة الإنسانية كان كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف، والذي تألف من 30 مقالة (كل مقالة تبحث في فرع من فروع الطب) وخصص المقالة الثلاثين لفن الجراحة (أو صناعة اليد كما كان يطلق عليها في ذلك العصر)، يحتوي الكتاب على صور للمئات من الآلات الجراحية أغلبها من ابتكار الزهراوي نفسه. وكانت كل أداة جراحية اخترعها مرفقة بإيضاحات مكتوبة عن طريقة استعمالها. كان يملك حوالي مائتي أداة: منها الدقيق ومنها الكبير كالمنشار وغيره، ما مكنه من إجراء عمليات جراحية في العين وغيرها من أعضاء الجسم، كان يُخرج الأجنَّة الميتة من الأرحام بواسطة المنشار. وكان هناك أداة تدعى "أداة الكي" للقضاء على الأنسجة التالفة بواسطة الكي، ونظراً لعدم وجود كهرباء في ذلك الوقت كان يستخدم السخَّان، فيعمد إلى تحمية قطعة معدنية ويضعها على المنطقة المصابة فتؤدي إلى تجمُّد الأنسجة وتوقف النزف، كما كان بالإمكان أيضًا إيقاف نزف الشعيرات الدموية الصغيرة.


في جراحات المسالك البولية

الزهراوى أول من وصف طريقة تفتيت حصيات مجرى البول ابتكر طريقة استخراج حصى المثانة عبر المهبل عند النساء

في إصابات الفكين والأسنان

نجح الزهراوى في علاج تشوهات الفكين وفى تقويم الأسنان باستخدام آلات جراحية ابتكرها خصيصا
الزهراوى أول من استخدم جسور الأسنان الذهبية والفضية وأدوات ضغط الأسنان

وبالرغم من أن الحديث عن الزهراوي دائما ما ينصرف لإسهاماته في الجراحة، فقد كان طبيباً متميزاً في المجالات الطبية الأخرى كما يتضح من تغطيته لها في كتابه. فشرح الزهراوي طريقة معالجة التواء الأطراف، وهي نظرية تقليدية لا تزال تطبق حتى أيامنا هذه. وكان الزهراوى أول من قدم وصفا واضحا للعلاقة بين استعداد بعض الأجسام للنزيف وبين الوراثة وهى أول إشارة لحالة "الهيموفيليا" كما استطاع تشخيص حالات الشلل الناجمة عن قطع الأعصاب وأطلق عليها مصطلح "الاسترخاء" وأجرى عملية إستئصال الغدة الدرقية Thyroid, والتي لم يجرؤ أي جراح في أوروبا على إجرائها إلا في القرن التاسع عشر


في مجال الصيدلة

لم يكن الزهراوى مبدعا في الجراحة فقط بل كانت له آثار في جميع فروع الطب وامتدت تلك الآثار إلى الصيدلة فقد تميز الزهراوى بخبرته العميقة في مجال التحضير واستخدام العقاقير والأدوية حتى لنجد عددا كبيرا من المقالات الثلاثين لكتاب التصريف يختص بهذه المستحضرات الزهراوى أول من استخدم قوالب خاصة لصنع الأقراص الدوائية

علاج السرطان

وذكر الزهراوي علاج السرطان في كتابه "التصريف" قائلا: متى كان السرطان في موضع يمكن استئصاله كله كالسرطان الذي يكون في الثدي أو في الفخد ونحوهما من الأعضاء المتمكنة لإخراجه بجملته، إذا كان مبتدءاً صغيراً فافعل. أما متى تقدم فلا ينبغى أن تقربه فاني ما أستطعت أن أبرئ منه أحداً. ولا رأيت قبلى غيري وصل إلى ذلك.

مؤلفات الزهراوى

كتاب "التصريف لمن عجز عن التأليف" موسوعة طبية كاملة صنفها الزهراوى لتشمل كل فروع الطب والكتب مكون من 30 مقالة كل مقالة تحتوى على عدة فصول وتتناول المقالات الموضوعات التالية المقالة (1) : تتناول أمور طبية عامة كالاسطقصات والأمزجة ومعلومات في التشريح وكتابة الأدوية المقالة (2) تتناول تقسيم الأمراض وأعراضها وطرق علاجها المقالة (19) تتناول الطب والزينة المقالة (23) تتنازل الضمادات الخاصة بإصابات جميع اجزاء الجسم المقالة (26) تتناول أطعمة المرضى والأصحاء وقد رتبها الزهراوى وفقا للأمراض ذاتها المقالة (30) عن الجراحة وتجبير العظام وكل ما يعمل باليد من كى وشق وربط وخلع والمقالى ثلاثون هو أول عمل شامل يكتب في علم الجراحة وقد زودها الزهراوى برسوم توضيحية ضافية لآلات الجراحة وتشمل هذه المقالة أبوابا خاصة بالتشريح وبأمراض النساء والولادة وتعليم القابلات وكيفية إخراج الجنين الميت وبجراحة العينين وجراحة الأذنين وجراحة الزور والحنجرة وجراحة الأسنان وعلاج الكسور والخلع


قالوا عن الزهراوى

المستشرقة الألمانية الدكتورة "زيجريد هونكة"

"الزهراوى أول من توصل إلى طريقة ناجحة لوقف النزف من الشرايين لكن مما يدعو للأسف أنك لو سألت طالب طب عن مبتدع أول طريقة ناجحة لكبح النزف عن الشرايين لرد عليك في الحال (إنه الجراح الفرنسى أمبرواز بارية)

عالم الفسيولوجيا "هالر"

"كانت كتب أبى القاسم المصدر العالم الذى استقى منه جميع من ظهر من الجراحين بعد القرن الرابع عشر..."

مؤرخ العلم "جورج سارتون "

" الزهراوى أكبر جراحى الإسلام"

المستشرق "جاك ريسلر في كتابه "الحضارة العربية "

"وشرح جراح كبير - هو أبو القاسم الزهراوى - علم الجراحة وابتكر طرقا جديدة في الجراحة امتد نجاحها فيما وراء حدود أسبانيا الإسلامية بكثير وكان الناس من جميع أنحاءالعالم المسيحى يذهبون لإجراء العمليات الجراحية في قرطبة

الدكتور أمين خير الله في كتابه "الطب العربى " يقول عن كتاب التصريف

".... ومن يطالع كتابه لايتمالك نفسه عن الاعتقاد بأنه قد شرَّح الجثث هو نفسه لأن وصفه الدقيق لإجراء العمليات المختلفة لا يمكن أن يكون نتيجة للعمليات فقط"


المصدر: ويكيبيديا
موقع Islamonline
كتاب: ماذا قدم المسلمون للعالم

السلطان الذي رُفضت شهادته




نحن الآن في مدينة (بورصة) في عهد السلطان العثماني (بايزيد الأول)،
الملقب ب(الصاعقة).. الفاتح الكبير..
فاتح بلاد (البلغار) و(البوسنة) و(سلانيك) و(ألبانيا)..
السلطان الذي سجل انتصاراً ساحقاً على الجيوش الصليبية،
التي دعا إلى حشدها البابا (بونيفاتيوس التاسع) لطرد المسلمين من أوروبا،
والتي اشتركت فيها خمس عشرة دولة أوروبية
كانت (إنجلترا) و(فرنسا) و(المجر) من بينها،
وذلك في المعركة التاريخية المشهورة، والدامية.. معركة (نيجبولي) سنة 1396م.

هذا السلطان الفاتح اقتضى أمر ما حضوره للإدلاء بشهادته
أمام القاضي والعالم المعروف (شمس الدين فناري).

دخل السلطان المحكمة.. ووقف أمام القاضي، وقد عقد يديه أمامه كأي شاهد عادي.

رفع القاضي بصره إلى السلطان،
وأخذ يتطلع إليه بنظرات محتدة، قبل أن يقول له
"لا يمكن قبول شهادتك، فأنت لا تشهد صلاة الجماعة،
ومن لا يشهد صلاة الجماعة، دون عذر شرعي، يمكن أن يكذب في شهادته"

نزلت كلمات القاضي نزول الصاعقة على رؤوس الحاضرين في المحكمة..
كان هذا اتهاماً كبيراً، بل إهانة كبيرة للسلطان (بايزيد)،
تسمر الحاضرون في أماكنهم،
وقد حبسوا أنفاسهم ينتظرون أن يطير رأس القاضي بإشارة واحدة من السلطان..
لكن السلطان لم يقل شيئاً، بل استدار وخرج من المحكمة بكل هدوء.
أصدر السلطان في اليوم نفسه أمراً ببناء جامع ملاصق لقصره،
وعندما تم تشييد الجامع، بدأ السلطان يؤدي صلواته في جماعة.


المصدر: كتاب حديقة السلاطين
لعثمان نزار

 
Design by Free Wordpress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Templates | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة