‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل

النهاية : قصة قصيرة

بقلم: نبيل فاروق

تراخيتُ في ارتياح, على المقعد المجاور للسائق, في تلك السيارة التي استأجرتها خصيصا للقيام بآخر زيارة لي لقطعة الارض الصغيرة التي ورثتها عن عمي في منطقة حلوان
سنوات وانا انتظر هذه اللحظة, منذ وفاة عمي, وقيام اعمامي الآخرون برفع قضية لسلبي حقي من الميراث
سنوات وانا انتظر وحدي
لا.. كان معي الفقر
كنت فقيرا, استدين اتعاب المحامي الشره, الذي يتابع القضية منذ ثلاث سنوات, واحيا انا على اقل القليل من القوت والمتع, انتظارا لحكم المحكمة
وحكمت المحكمة اخيرا
واصبحت امتلك قطعة الارض رسميا
واليوم لم اعد امتلكها
لقد بعتها بمبلغ ضخم, لانها تطل على النيل, في منطقة سكنية رائعة, وها انذا احمل ثمنها في حقيبتي, لابدأ حياة اللهو والسعادة
وفجأة لمحت المرصد
مرصد حلوان, حيث يعمل ابن خالتي وهبة, خريج كلية العلوم
وصحت بالسائق: توقف هنا.. عند المرصد
استجاب السائق لي في بساطة, فقفزت خارج السيارة وانا امسك حقيبة النقود في احكام, وطلبت من السائق ان ينتظرني, واسرعت الى ابن خالتي, وانا اتساءل عن سر شوقي الشديد لرؤيته, في هذه اللحظة بالذات
ربما كنت احب ان اطلعه على الامر, ليعلم انني لم اعد فقيرا
او انه زهو الفوز فحسب
ولقد استقبلني وهبة هذه المرة بابتسامة باهتة, وبقلق ملحوظ وهو يجلس امام ذلك المرصد الهائل, على نحو جعلني اهتف مستنكرا: هل تحب ان انصرف؟
هتف ببرود: لا صدقني.. لم اقصد ذلك.. لقد كنت مشغولا فحسب
سألته ساخراً: لماذا اهي نهاية الكون؟
شحب وجهه, وهو يحدق في وجهي ذاهلا, قبل ان يغمم في شحوب: كيف عرفت؟
القيت جسدي على المقعد المواجه له, وحدقت في وجهه بدوري, قبل ان اسأله ببلاهة: ماذا عرفت
مال نحوي, مغمما في توتر عظيم: انها نهاية الكون
*******
ظللت احدق في وجهه ذاهلا, وقد فقدت القدرة على النطق, في حين اعتدل هو واطلق من اعمق اعماق صدره زفرة هائلة, قبل ان يقول: يالك من مسكين يا ابن خالتي العزيز.. ألا تعلم ان هذا الكون كله كان في البداية كتلة واحدة, قبل ان يحدث ما نطلق عليه اسم الانفجار الكبير؟
هززت رأسي نفيا بنفس البلاهة, فاستطرد في اشفاق العالم على الجهلاء: لقد حدث هذا منذ بلايين السنين, ومن يومها والكون كله يتمدد, ويتسع ويتباعد بأثر الانفجار, ومن ذرات الانفجار تتكون المجرات والنجوم والمجموعات الشمسية والكواكب, والكون يزداد تمددا وتباعدا بلا توقف
وزفر مرة اخرى, قبل ان يستطرد: حتى حدث ما كنا نخشاه جميعا
حاولت ان اسأله عما يعنيه, ولكن شفتي لم تنفرجا, ولم يخرج من بينهما لفظ واحد, فيما تابع هو: لقد كشفنا من رصدنا لمواقع المجرات البعيدة منذ شهر كامل, ان هذه الظاهرة قد توقفت.. اتعلم ما يعنيه هذا؟
هززت رأسي نفيا, فأضاف: يعني ان التمدد قد انتهى, وحانت لحظة رد الفعل
نطق الجملة الاخيرة في صوت رهيب, جعلني اردد في خوف مبهم: رد الفعل
مال نحوي ولوح بكفيه في انفعال, وهو يقول: نعم.. رد الفعل.. سيبدأ الكون مرحلة التقلص.. كل المجرات سيرتطم بعضها ببعض, كل النجوم ستنفجر, وكل الكواكب ستنسحق وتتحول بما عليها ومن عليها الى غبار.. سينها الكون كله دفعة واحدة.. انه يوم القيامة ولا شك
اتسعت عيناي في رعب هائل
يوم القيامة
الآن..؟؟
يالي من سيء الحظ
احيا عمري كله في فقر مدقع, وعندما تأتيني الاموال, يأتي معها يوم القيامة
ياللهول ..
لن استمتع ابدا بالثراء ..
لن انعم برغد العيش ابدا ..
*******
ولكن مهلا ..
لقد رصدوا هذه الظاهرة منذ شهر, وربما كانت هناك ايام باقية
سأنفق نقودي عن آخرها في هذه الايام الباقية, قبل ان تحين الساعة
سأحيا في رغد ولو اسبوعا واحدا
وفي اهتمام بالغ سألته: ومتى يا وهبة؟.. متى سيحدث هذا؟؟
تراجع في انفعال, واطلق من اعماق صدره زفرة اخرى, قبل ان يجيب في يأس: لن يتأخر هذا كثيرا للأسف
تهاوى الامل في اعماقي, ثم لم يلبث ان استحال فجأة الى غضب عارم, عندما أضاف في مرارة: بليوني عام على الأكثر
وبعدها تسألني ياحضرة الضابط, لماذا لكمته على انفه؟؟؟

القط الأسود



القط الأسود
لإدجار آلان بو



لست أتوقع منكم، بل لست أطلب أن تصدقوا الوقائع التي أسطرها هنا لقصة هي أغرب القصص وإن كانت في الآن عينه مألوفة للغاية.
سوف أكون مجنوناً لو توقعت أن تصدقوا ذلك، لأن حواسي ذاتها ترفض أن تصدق ماشهدته ولمسته.
غير أنني لست مجنوناً – ومن المؤكد أنني لا أحلم- وإذ كنت ملاقياً حتفي غداً فلا بد لي من أن أزيح هذا العبئ عن روحي.
ما أرمي إليه هو أن أبسط أمام العالم، بوضوح ودقة، وبلا أي تعليق، سلسلة من الوقائع العادية جداً. إنها الوقائع التي عصفت بي أهوالها و واصلت تعذيبي ودمرتني. مع ذلك لن أحاول تفسيرها وإذا كنت لا أجد فيها غير الرعب فإنها لن تبدو للآخرين مرعبة بقدر ما ستبدو نوعاً من الخيال الغرائبي المعقد.

قد يجيء في مقبل الأيام ألمعي حصيف يبين له تفكيره أن هذا الكابوس مجرد أحداث عادية – وربما جاء ألمعي آخر أكثر رصانة وأرسخ منطقاً وتفكيره أقل استعداداً للإثارة من تفكيري، ليرى في الأحداث التي أعرضها بهلع مجرد تعاقب مألوف لأسباب طبيعية ونتائجها المنطقية.

عُرِفْت منذ طفولتي بوداعتي ومزاجي الإنساني الرقيق، حتى أن رقة قلبي كانت على درجة من الإفراط جعلتني موضوع تندر بين زملائي. وقد تميزت بولع خاص بالحيوانات مما جعل أبواي يعبّران عن تدليلهما لي بإهدائي أنواعاً من الحيوانات المنزلية. مع هذه الحيوانات كنت أمضي معظم أوقاتي ، ولم أعرف سعادة تفوق سعادتي حين كنت أطعمها وأداعبها. نمت هذه الطباع الغريبة مع نموي، وكانت لي في طور الرجولة أكبر منابع المتعة.

الذين عرفوا مشاعر الولع بكلب أمين ذكي سوف يفهمون بسهولة ما أود قوله عن مدى البهجة المستمدة من العناية بحيوان أليف. إن في تعلق الحيوان بصاحبه تعلقاً ينـكر الـذات ويضـحي بها مايخترق قلب الإنسان الذي هيأت له الظروف أن يعاني من خسة الصداقة وضعف الوفاء عند الجنس البشري.

تزوجت في سن مبكرة، وقد أسعدني أن أجد في مزاج زوجتي مالايناقض مزاجي. وإذ لاحظت ولعي بالحيوانات المنزلية لم تترك مناسبة تمر دون أن تقتني منها الأجناس الأكثر إمتاعاً وإيناساً. هكذا تجمع لدينا طيور وأسماك ذهبية وكلب أصيل وأرانب وقرد صغير وقط.

كان هذا القط كبير الحجم بشكل مميز، جميل الشكل، أسود اللون بتمامه، وعلى قدر عجيب من الذكاء، كانت زوجتي التي لا أثر للمعتقدات الخرافية في تفكيرها، حين تتحدث عن ذكائه تشير إلى الحكايات الشعبية القديمة التي تعتبر القطط السود سحرة متنكرين. هذه الإشارات لاتعني أنها كانت في يوم من الأيام جادة حول هذه المسألة. أذكر هذا لسبب وحيد هو أنه لم يرد إلى ذهني قبل هذه اللحظة.

كان بلوتو – وهذا هو اسم القط- حيواني المدلل وأنيسي المفضل، أطعمه بنفسي، ويلازمني حيثما تحركت في البيت. بل كنت أجد صعوبة لمنعه من اللحاق بي في الشوارع.

دامت صداقتنا على هذه الحال سنوات عديدة، تبدل خلالها مزاجي وساء سلوكي بفعل ادماني على المسكرات (إني أحمرّ خجلاً إذ أعترف بذلك) ويوما بعد يوم تزايدت حدة مزاجي وشراستي، واستعدادي للهيجان، وتزايد استهتاري بمشاعر الآخرين. ولكم عانيت وتألمت بسبب التعابير القاسية التي رحت أوجهها إلى زوجتي، حتى أنني في النهاية لجأت إلى العنف الجسدي في التعامل معها.
وبالطبع فقد استشعرت حيواناتي هذا التغير في مزاجي. ولم أكتف بإهمالها بل أسأت معاملتها. وإذا كان قد بقي لبلوتو بعض الاعتبار مما حال دون إساءتي إليه فإنني لم أستشعر دائماً في الإساءة إلى الأرانب أو القرد، أو حتى الكلب، كلما اقتربت مني مصادفة أو بدافع عاطفي. غير أن مرضي قد تغلب علي – وأي مرض كالمسكرات!- ومع الأيام حتى بلوتو الذي صار هرماً ومن ثم عنيداً نكداً بدأ يعاني من نتائج مزاجي المعتل.

ذات ليل كنت عائداً إلى البيت من البلدة التي كثر ترددي إليها وقد تعتعني السكر؛ وخيل إلي أن القط يتجنب حضوري؛ فقبضت عليه، وإذ أفزعته حركاتي العنيفة جرحني بأسنانه جرحاً طفيفاً فتملكني غضب الأبالسة. وبدا أن روحي القديمة قد اندفعت على الفور طائرة من جسدي؛ وارتعد كل عرق في هيكلي بفعل حقد شيطاني غذاه المخدر. فتناولت من جيب سترتي مطواة، فتحتها وقبضت على عنق الحيوان المسكين واقتلعت عامداً إحدى عينيه من محجرها! إنني أحتقن، أحترق، أرتعد حين أكتب تفاصيل هذه الفظاعة الجهنمية.

لما استعدت رشدي في الصباح – لما نام هياج الفسوق الذي شهده الليل- عانيت شعوراً هو مزيج من الرعب والندم بسبب الجريمة التي ارتكبتها، غير أن ذلك كان في أحسن الحالات شعوراً ضعيفاً وملتبساً لم يبلغ مني الأعماق. ومن جديد استحوذ علي الإفراط في الشراب. وسرعان ما أغرقت الخمرة كل ذكرى لتلك الواقعة.

في هذه الأثناء أخذ القط يتماثل للشفاء تدريجياً. صحيح أن تجويف العين الفارغ كان يشكل منظراً مخيفاً لكن لم يبد عليه أنه يتألم، وعاد يتنقل في البيت كسابق عهده، غير أنه كما هو متوقع، كان ينطلق وقد استبد به الذعر كلما اقتربت منه. كانت ماتزال لدي بقايا من القلب القديم بحيث ينتابني الحزن إزاء هذه الكراهية الصارخة التي يبديها لي كائن أحبني ذات يوم. لكن سرعان ماحل الانزعاج محل الحزن. وأخيراً جاءت روح الانحراف لتدفعني إلى السقوط الذي لانهوض منه. هذه الروح لاتوليها الفلسفة أي اعتبار. مع ذلك لست واثقاً من وجود روحي في الحياة أكثر من ثقتي أن الانحراف واحد من الموازع البدئية في القلب البشري، واحد من الملكات أو المشاعر الأصيلة التي توجه سلوك الإنسان. من منا لم يضبط نفسه عشرات المرات وهو يقترف إثماً أو حماقة لا لسبب غير كون هذا العمل محرماً؟ أليس لدينا ميل دائم، حتى في أحسن حالات وعينا، إلى خرق مايعرف بالقانون لمجرد علمنا بأنه قانون؟ روح الانحراف هذه هي التي تحركت تدفعني إلى السقوط النهائي. إنها رغبة النفس الدفينة لمشاكسة ذاتها – لتهشيم طبيعة ذاتها- لاقتراف الإثم لوجه الإثم، هذه الرغبة التي لايسبر غورها هي التي حرضتني على مواصلة الأذى ضد الحيوان الأعزل، وأخيراً الإجهاز عليه.

ذات صباح وعن سابق تصور وتصميم لففت حول عنقه أنشوطة وعلقته بغصن شجرة ..شنقته والدموع تتدفق من عيني، وفي قلبي تضطرم أمرّ مشاعر الندم؛ شنقته لعلمي أنني بذلك أقترف خطيئة،خطيئة مميتة سوف تعرض روحي الخالدة للهلاك الأبدي، وتنزلها إن كان أمر كهذا معقولاً، حيث لاتبلغها رحمة أرحم الراحمين والمنتقم الجبار.

في الليلة التي وقع فيها هذا الفعل الشنيع، استيقظت من النوم على صوت النيران. كان اللهب يلتهم ستائر سريري والبيت بكامله يشتعل. ولم ننج أنا وزوجتي والخادم من الهلاك إلا بصعوبة كبيرة. كان الدمار تاماً. ابتلعت النيران كل ما أملك في هذه الدنيا، واستسلمت مذ ذاك للقنوط واليأس.

لم يبلغ بي الضعف مبلغاً يجعلني أسعى لإقامة علاقة سببية بين النتيجة وبين الفظاعة التي ارتكبتها والكارثة التي حلت بي. لكنني أقدم سلسلة من الوقائع وآمل ألا أترك أي حلقة مفقودة في هذا التسلسل.

في اليوم الذي أعقب الحريق ذهبت أزور الأنقاض. كانت الجدران جميعها قد تهاوت باستثناء جدار واحد، هذا الجدار الذي نجا بمفرده لم يكن سميكاً لأنه جدار داخلي يفصل بين الحجرات ويقع في وسط البيت، وإليه كان يستند سريري من جهة الرأس. وقد صمد طلاء هذا الجدار وتجصيصه أمام فعل النيران. وهو أمر عزوته إلى كون التجصيص حديثاً. أمام هذا الجدار كان يتجمهر حشد من الناس وبدا أن عدداً كبيراً منهم يتفحص جانباً مخصوصاً منه باهتمام شديد، فحركت فضولي تعابير تصدر عن هذا الحشد من نوع (عجيب!) (غريب!) دنوت لأرى رسماً على الجدار الأبيض كأنه حفر نافر يمثل قطاً عملاقاً. كان الحفر مدهشاً بدقته ووضوحه، وبدا حبل يلتف حول عنق الحيوان.

عندما وقع نظري لأول مرة على هذا الشبح، إذ لم أكن أستطيع أن أعتبره أقل من ذلك، استبد بي أشد العجب وأفظع الذعر. غير أن التفكير المحلل جاء ينقذني من ذلك. لقد كان القط على ما أذكر معلقاً في حديقة متاخمة للبيت؛ فلما ارتفعت صيحات التحذير من النار، غصت الحديقة فوراً بالناس، ولابد أن شخصاً ما قد انتزعه من الشجرة وقذف به عبر النافذةإلى غرفتي، وربما كان القصد من ذلك تنبيهي من النوم. ولابد أن سقوط الجدران الأخرى قد ضغط ضحية وحشيتي على مادة الجص الحديث للطلاء؛ اختلط كلس هذا الطلاء بالنشادر المتصاعد من الجثة وتفاعل به بتأثير النيران فأحدث الرسم النافر الذي رأيته.

ومع أنني قدمت هذا التفسير لأريح عقلي، إن لم أكن قد فعلت ذلك لأريح ضميري، فإن المشهد الغريب الذي وصفته لم يتوقف عن التأثير في مخيلتي، وعلى مدى أشهر لم أستطع أن أتخلص من هاجس القط؛ خلال هذه الفترة عاودني شعور بدا لي أنه الندم، ولم يكن في الحقيقة كذلك. لم يكن أكثر من أسف على فقد حيوان، وتفكير بالحصول على بديل من النوع نفسه والشكل نفسه ليحل محله.

في إحدى الليالي، فيما كنت جالساً، شبه مخبول، في وكر من أوكار العار، إذ أنني أدمنت الآن ارتياد هذه الأماكن الموبوءة، جذب انتباهي فجأة شيء أسود فوق برميل ضخم من براميل الجن أو شراب الروم، البراميل التي تشكل قطع الأثاث الرئيسية في ذلك المكان، كنت طوال دقائق أحدق بثبات في رأس البرميل، وما سبب دهشتي هو أنني لم أتبين للحال طبيعة الشيء باستثناء شيء واحد. إذ لم تكن في أي مكان من جسم بلوتو شعرة بيضاء واحدة؛وكانت لهذا القط بقعة بيضاء غير واضحة الحدود تتوزع على منطقة الصدر بكاملها.

حالما لمسته نهض وأخذ يخط بصوت مرتفع ويتمسح بيدي، وبدا مسروراً باهتمامي له، وإذن هذا هو بالضبط ماكنت أبحث عنه. للحال عرضت على صاحب البيت شراءه، لكن هذا أجاب بأنه لايملكه ولايعرف شيئاً عنه، ولم يره من قبل.

واصلت مداعبتي له، ولما تهيأت للذهاب، اتخذ وضعية تبين أنه يريد مرافقتي، فتركته يصحبني، وكنت بين الحين والآخر أتوقف وأربت على ظهره أو أمسح رأسه. لما وصل إلى البيت بدا أليفاً ولم يظهر عليه أي استغراب. وعلى الفور صار أثيراً لدى زوجتي.

أما أنا فسرعان ماوجدت المقت يتصاعد في أعماقي، وكان هذا عكس ماتوقعته. ولم أستطع أن أفهم كيف تعلق القط بي ولاسبب هذا التعلق الواضح الذي أثار اشمئزازي وأزعجني. وأخذ الانزعاج والاشمئزاز يتزايدان شيئاً فشيئاً ويتحولان إلى كراهية مريرة، فأخذت أتجنب هذا الكائن؛ كان إحساس ما بالعار، وذكرى فظاعتي السابقة يمسكان بي عن إلحاق الأذى الجسدي به. وامتنعت طوال أسابيع عن ضربه أو معاملته بعنف، لكن تدريجياً - وبتدرج متسارع- أخذت أنظر إليه بكره لايوصف وأبتعد بصمت عن حضوره البغيض كما أبتعد عن لهاث مصاب بالطاعون.


ما أكدَّ كرهي لهذا الحيوان هو اكتشافي، صبيحة اليوم التالي لوصوله أنه مثل بلوتو، قد فقد إحدى عينيه، غير أن هذا زاد من عطف زوجتي عليه لأنها كما ذكرت تملك قدراً عظيماً من المشاعر الإنسانية التي كانت ذات يوم ملامحي المميزة، ومنبعاً لأكثر المسرات براءة ونقاء.

كان هيام القط بي يزداد بازدياد بغضي له، فكان يتبع خطواتي بثبات يصعب إيضاحه، فحيثما جلست، كان يجثم تحت مقعدي، أو يقفز إلى ركبتي ويغمرني بمداعباته المقززة، فإذا نهضت لأمشي اندفع بين قدمي وأوشك أو يوقعني، أو غرز مخالبه الطويلة الحادة في ثيابي ليتسلق إلى صدري، ومع أنني كنت أتحرق في مناسبات كهذه لقتله بضربة واحدة فقد كنت أمتنع عن ذلك بسبب من ذكرى جريمتي السابقةإلى حد ما، لكن بصورة أخص – ولأعترف بذلك حالاً- بسبب الرعب من هذا الحيوان.
لم يكن هذا الرعب خوفاً من شر مادي مجسد، مع ذلك أحار كيف أحدده بغير ذلك، يخجلني أن أعترف أجل، حتى في زنزانة المجرمين هذه، يكاد يخجلني الاعتراف بأن الرعب والهلع اللذين أوقعهما في نفسي هذا الحيوان ازدادا حدة بسبب من وهم لايقبله العقل.

كانت زوجتي قد لفتت انتباهي، أكثر من مرة إلى طبيعة البقعة البيضاء على صدر القط، والتي أشرت إليها سابقاً، تلك العلامة التي تشكل الفارق الوحيد بين هذا الحيوان الغريب وذاك الذي قتلته.

هذه البقعة على اتساعها لم تكن لها حدود واضحة، غير أنها شيئاً فشياً وبتدرج يكاد لايلحظ، تدرج صارع عقلي لكي يدحضه ويعتبره وهماً، اكتسبت شكلاً محدداً بوضوح تام. صار لها الآن شكل ارتعد لذكر اسمه ..هذا الشكل هو ماجعلني أشمئز وأرتعب، وأتمنى التخلص من الحيوان لو تجرأت ، كان الآن صورة لشيء بغيض شيء مروع هو المشنقة! أوه أيّ آلة شنيعة جهنيمة للفظاعة والجريمة للنزع والموت!

والآن لقد انحدرت إلى درك ينحط بي عن صفة الإنسانية! كيف ينزل بي حيوان بهيم – قتلت مثله عن سابق تصميم- حيوان بهيم ينزل بي أنا الإنسان المخلوق على صورة كريمة، كل هذا الويل الذي لايحتمل! وا أسفاه! ماعدت أعرف رحمة الراحة لا في النهار ولا في الليل! ففي النهار لم يكن ذلك البهيم ليفارقني لحظة واحدة، وفي الليل كنت أهب من النوم مراراً يتملكني ذعر شديد لأجد لهاث ذلك الشيء فوق وجهي، وثقل جسمه الضخم – مثل كابوس متجسد لا أقوى على زحزحته- يجثم أبدياً فوق قلبي.
وهكذا انهارت بقايا الخير الواهية تحت وطأة هذا العذاب، وصارت أفكار الشر خدين روحي، أشدَّ الأفكار حلكة وشيطانية، ازدادت مزاجيتي سوداوية حتى تحولت إلى كراهية للأشياء كلها وللجنس البشري بأسره، وأخذت نوبات غضبي المفاجئة المتكررة التي لم أعد أتحكم بها واستسلمت لها كالأعمى، أخذت تطال وا أسفاه زوجتي، أعظم الصابرين على الآلام.

رافقتني ذات يوم لقضاء بعض الأعمال المنزلية في قبو المبنى القديم حيث أرغمتنا الفاقة على السكنى، تبعني القط على الدرج وكاد يرميني، فاستشاط غضبي الجنوني؛ رفعت فأساً متناسياً ماكان من خوفي الصبياني الذي أوقفني حتى الآن، وسددت ضربة إلى الحيوان كانت ستقضي عليه لو أنها نزلت حيث تمنيت، غير أن يد زوجتي أوقفت هذه الضربة. كان هذا التدخل بمثابة منخاس دفع بغضبي إلى الهياج الشيطاني؛ انتزعت يدي من قبضة زوجتي وودفنت الفأس في رأسها، فسقطت ميتة دون أن تصدر عنها نأمة.

لما ارتكبت هذه الجريمة البشعة، جلست على الفور أفكر في التخلص من الجثة. عرفت أنني لا أستطيع إخراجها من البيت لا في الليل ولا في النهار دون أن أخاطر بتنبيه الجيران. مرت برأسي خطط عديدة. فكرت بأن أقطع الجثة إرباً ثم أتخلص منها بالحرق. وفكرت في حفر قبر لها في أرض القبو. كما فكرت في إلقائها في بئر الحوش، أو أن أحشرها في صندوق بضاعة وأستدعي حمالاً لأخذها من البيت. وأخيراً اهتديت إلى أفضل خطة للتخلص منها. قررت أن أبنيها في جدار القبو، كما كان الرهبان في القرون الوسطى يبنون ضحاياهم في الجدران.

كان القبو مناسباً لهذه الغاية. فقد كان بناء جدرانه مخلخلاً وقد تم توريق الجدران حديثاً بملاط خشن حالت الرطوبة دون تصلبه. وفوق ذلك كان في أحد الجدران تجويف بشكل المدخنة تم ردمه بحيث تستوي أجزاء الجدار، وتأكد لي أن باستطاعتي انتزاع قطع الطوب من هذا التجويف وإدخال الجثة، وبناء التجويف ليعود الجدار كما كان بحيث لاترتاب العين في أي تغيير.

ولم تخطئ حساباتي. استعنت بمخل لانتزاع قطع الطوب، وأوقفت الجثة بتأن لصق الجدار الداخلي ودعمتها لتحتفظ بوضع الوقوف، فيما كنت أدقق لأعيد كل شيء إلى ما كان عليه. كنت قد أحضرت الملاط والرمل والوبر، فهيأت الخليط بمنتهى الدقة والعناية بحيث لايميز من الملاط السابق، وأعدت كل قطعة طوب إلى مكانها. عندما أكملت العمل أحسست بالرضا عن النتيجة. لم يكن يبدو على الجدار أدنى أثر يدل على أنه قد لمس. نظفت الأرض بمنتهى العناية ونظرت حولي منتصراً وقلت في نفسي: ’’لم يذهب جهدي سدىً‘‘.

كانت الخطوة الثانية هي البحث عن الحيوان الذي سبب لي هذه الفاجعة الرهيبة، ذلك أنني قررت القضاء عليه، لوعثرت عليه في تلك اللحظة لما كان هنالك من شك في أمر مصيره؛ لكن يبدو أن الحيوان الذكي أدرك عنف غضبي فاختفى متجنباً رؤيتي وأنا في ذلك المزاج.

يستحيل علي أن أصف عمق الراحة والسكينة التي أتاحها لروحي غياب ذلك الحيوان. لم يعد للظهور تلك الليلة. وهكذا ولأول مرة منذ وصوله إلى البيت نمت بعمق وهدوء، أجل نمت على الرغم من وزر الجريمة الرابض فوق روحي.

مر اليوم الثاني ثم الثالث ولم يظهر معذبي، ومن جديد تنفست بحرية. لقد أصيب الوحش بالذعر فنجا بنفسه نهائياً! ولن يكون علي أن أتحمله بعد الآن! كانت سعادتي بذلك عظيمة! ولم يؤرق مضجعي وزر الجريمة السوداء إلا لماماً. جرت بعض التحقيقات وقدمت أجوبة جاهزة. بل كانت هناك تحريات، غير أن شيئاً ما لم يكتشف، وأدركت أن مستقبل سعادتي في أمان.

في اليوم الرابع بعد وقوع الجريمة جاءت فرقة من الشرطة إلى البيت بشكل لم أتوقعه وبدأت تحريات واستجوابات دقيقة، لكن بما أنني كنت مطمئنا إلى إخفاء الجثة لم أشعر بأي حرج. سألني ضباط الشرطة أن أرافقهم إلى القبو، فلم ترتعد فيَّ عضلة واحدة. كان قلبي ينبض بهدوء كقلب بريء نائم. رحت أذرع القبو جيئة وذهاباً عاقداً ذراعي فوق صدري. اقتنع رجال الشرطة بنتائج بحثهم واستعدوا للذهاب، كانت النشوة في قلبي أقوى من أن أكتمها. كنت أتحرق لقول كلمة واحدة، لفرط ما أطربني الانتصار، ولكي أزيد يقينهم ببراءتي.

’’أيها السادة - قلت أخيراً، لما كان الفريق يصعد الدرج - يسرني أن أكون قد بددت كل شكوككم. أتمنى لكم تمام الصحة ومزيداً من اللباقة، بالمناسبة أيها السادة، هذا بيت مكين البناء - في رغبتي العارمة لقول شيء سهل،لم أجد ما أتلفظ به - إنه بيت مبني بشكل ممتاز. هذه الجدران- هاأنتم ذاهبون أيها السادة- هذه الجدران متماسكة تماماً‘‘

وهنا ، وبنوع من الزهو المتشنج- طرقت طرقاً قوياً على الجدار بعصا كانت بيدي، تماماً في الموضع الذي أخفيت فيه زوجة قلبي.

لكن ليحمني الله من مخالب إبليس الأبالسة! لم تكد اهتزازات ضربتي تغرق في الصمت حتى جاوبني صوت من داخل القبر! صرخة مكتومة متقطعة بدأت كبكاء طفل، لكن سرعان ما أخذت تتعاظم وتتضخم لتغدو صرخة واحدة هائلة مديدة شاذة غريبة وغير آدمية بالمرة.. غدت عواء.. عويلاً مجلجلاً يطلقه مزيج من الرعب والظفر، وكأنما تتصاعد من قيعان الجحيم تتعاون فيها حناجر الملعونين في سعير عذاباتهم والشياطين إذ يهللون اللعنات.

من الحماقة أن أحدثكم عن الأفكار التي تلاطمت في رأسي.. ترنحت منهاراً وتهاويت مستنداً إلى الجدار المقابل.. للحظة واحدة ظل فريق الشرطة مسمراً على الدرج بفعل الرعب والاستغراب. وفي اللحظة التالية كانت بضع عشرة ذراعاً شديدة تهدم الجدار. إنهار قطعة واحدة. كانت الجثة قد تحللت إلى درجة كبيرة وغطاها الدم المتجمد، وهي تنتصب واقفة أمام أعين المشاهدين وعلى رأسها يقف القط الأسود الكريه بفمه الأحمر المفتوح وعينه الوحيدة النارية، القط الذي دفعتني أفعاله إلى الجريمة ثم أسلمني صوته الكاشف إلى حبل المشنقة. كنت قد بنيت الجدار والقط داخل القبر.

ترجمة خالدة سعيد

كيس الحلوى



في احدى الليالي جلست سيدة في المطار لعدة ساعات في انتظار رحلة لها .
وأثناء فترة انتظارها ذهبت لشراء كتاب وكيس من الحلوى لتقضي بهما وقتها
,
فجأة وبينما هي متعمقة في القراءة أدركت أن هناك شابة صغيرة قد جلست
بجانبها وأختطفت قطعة من كيس الحلوى الذي كان موضوعا بينهما . قررت أن
تتجاهلها في بداية الأمر,, ولكنها شعرت بالأنزعاج عندما كانت تأكل الحلوى
وتنظر في الساعة بينما كانت هذه الشابة تشاركها في الأكل من الكيس أيضا .
حينها بدأت بالغضب فعلا ثم فكرت في نفسها قائلة " لو لم أكن امرأة متعلمة
وجيدة الأخلاق لمنحت هذه المتجاسرة عينا سوداء في الحال " وهكذا في كل مرة
كانت تأكل قطعة من الحلوى كانت الشابة تأكل واحدة أيضا >وتستمر المحادثة
المستنكرة بين أعينهما وهي متعجبة بما تفعلة ,,ثم ان الفتاة وبهدوء
وبابتسامة خفيفة قامت باختطاف آخر قطعة من الحلوى وقسمتهاالى نصفين فأعطت
السيدة نصفا بينما أكلت هي النصف الآخر. أخذت السيدة القطعة بسرعة وفكرت
قائلة " يالها من وقحة كما أنها غير مؤدبة حتى أنها لم تشكرني ". بعد ذلك
بلحظات سمعت الاعلان عن حلول موعد الرحلة فجمعت أمتعتها وذهبت الى بوابة
صعود الطائرة دون أن تلتفت وراءها الى المكان الذي تجلس فيه تلك السارقة
الوقحة . وبعدما صعدت الى الطائرة ونعمت بجلسة جميلة هادئة أرادت وضع
كتابها الذي قاربت عل انهائه في الحقيبة , وهنا صعقت بالكامل حيث وجدت كيس
الحلوى الذي اشترته موجودا في تلك الحقيبة بدأت تفكر " ياالهي لقد كان كيس
الحلوى ذاك ملكا للشابة وقد جعلتني أشاركها به", حينها أدركت وهي متألمة
بأنها هي التي كانت وقحة , غير مؤدبة , وسارقة أيضا.كم مرة في حياتنا كنا
نظن بكل ثقة ويقين بأن شيئا ما يحصل بالطريقة الصحيحة التي حكمنا عليه بها
,ولكننا نكتشف متأخرين بأن ذلك لم يكن صحيحا , وكم مرة جعلنا فقد الثقة
بالآخرين والتمسك بآرائنا نحكم عليهم بغير العدل بسبب آرائنا المغرورة
بعيدا عن الحق والصواب. هذا هو السبب الذي يجعلنا نفكر مرتين قبل أن نحكم
على الآخرين ... دعونا دوما نعطي الآخرين آلاف الفرص قبل أن نحكم عليهم
بطريقة سيئة.

شياطين الشاي :: قصة من التراث الافغاني




قديما لم يكن احد من الناس في افغانستان يستعمل السكر مع الشاي وكان الناس يحلون الشاي بالفواكه الطبيعية
ويستمتعون بطعم الشاي الاصلي دون ان يغيره السكر

وفي احد الايام قرر احد التجار الكبارممن يتعاونون مع الانجليز ان يفتتح مصنعا للسكر في المدينة,
وبالفعل قام بذلك ولكنه ومع بدء الانتاج واجه مشكلة كبيرة تكمن في عدم رغبة اي احد في شراء السكر وبدأ المنتج يتكدس في المخازن والتاجر يزداد هلعا
حتى راودته فكرة خبيثة وهي ان يستعين باحد المتلبسين بعباءة الدين والدين منه براء وطلب منه ان يجد له حلا قبل ان يخترب بيته فوافق الاخير على طلبه بشرط ان يدفع له التاجر 10 % من قيمة كل السكر الذي سيبيعه ,

وافق التاجر بسرور, فما قيمة 10% مقابل ان ينقذ مصنعه ورأسماله من الافلاس المحتم وبعد الاتفاق خرج الدجال وفكر بطريقة يقنع بها الناس بشراء السكر مستغلا ايمانهم وتدينهم وفطرتهم البريئة حتى تفتق فكره الخبيث عن فكرة شيطانية ,

وفي يوم الجمعة طلب الاذن من امام المسجد ان يعتلي المنبر كي يقول شيئا هاما , اذن له الامام بذلك وصعد صاحبنا على المنبر وقال :
ايها الناس اني قد رأيت ليلة امس في منامي احد ملائكة الرحمن وقد امرني ان لا اشرب الشاي الا مع السكر فانه من رحيق زهور الجنة ومن يشربه فله في كل رشفة الف ثواب وفي كل كيلو يشتريه الف الف حسنة وانتم تعرفونني وتعرفون مدى زهدي وورعي واني اصدقكم الحديث والرؤيا اللهم اني قد بلغت اللهم فأشهد .

ما ان سمع الناس البسطاء هذا الكلام حتى هرعوا بعد الصلاة يطلبون السكر في كل دكان والكل يشتري اكثر من حاجته كي ينال ثوابا اكثر و ماهي الا ايام حتى فرغت المخازن وعاد المصنع يعمل بكامل طاقته الانتاجية ولايكاد يستطيع ان يلبي الطلبات التي اخذت تنهال عليه من كل مكان .

ذهب مدعي الدين الى التاجر كي يطالبه بحصته من الارباح المتفق عليها ولكن التاجر الجشع استكثر عليه المبلغ وقال له :
- ياعزيزي كل مافعلته هو القاء خطبة في الجامع لم تستغرق سوى دقيقتين ولا احد يعلم ان كان احد استمع اليها ام لا ولكني انسان منصف وساعطيك 1% من الارباح بدلا من 10 % وهذا جل ما استطيع فعله لك .

خرج صاحبنا غاضبا على خسارته المبلغ الضخم الذي وعده به التاجر وعقد العزم على ان ينتقم منه شر انتقام فكرر فعلته وطلب من امام المسجد ان يسمح له باعتلاء المنبر فخاطب الناس وقال :

ايها الناس اني قد رأيت ملاكا في المنام امس وقال لي حذار من هذا السكر الذي يباع عندكم فأنه مخلوط بعظام الموتي المطحونة ومن يضعه في الشاي فستكون الشياطين في قدحه طوال الوقت فحذاري حذاري, اللهم اني قد بلغت اللهم فاشهد .

ما ان سمع الناس هذا الكلام حتى القى كل منهم مالديه من سكر في القمامة والغيت الطلبات وعاد الكساد الى مصنع التاجر
وتملكه الرعب بعد السرور وعرف ان مدعي التدين قد انتقم منه شر انتقام فزاره في بيته واخذ يطيب خاطره وقال له :

- ياعزيزي هذا مزاح بريء ولم اعن اي كلمة قلتها وانا تاجر شريف افي بوعودي ولو على قطع رأسي والاتفاق الذي عقدناه محترم وهذه حصتك مما سبق بيعه وهذا تعهد خطي وعليه ختمي بحصتك فيما سيتم بيعه لاحقا فسارع وانقذني قبل فوات الاوان .

اخذ صاحبنا النقود وفرح بها وكرر نفس فعلته وصعد الى المنبر وخاطب الناس قائلا :
ايها الناس قد شرفني الملاك بزيارة ثالثة وقال لي لم تضيعون ثواب شرب الشاي مع السكر ؟
فقلت له وماذا عن الارواح الخبيثة والشياطين؟
فقال لي هذه بسيطة تضعون ملعقة في الشاي وتضربون بها السكر فتطردون الشياطين وتنعمون بالثواب .

ومن يومها كل من لديه بضاعة كاسدة يبحث عن طريقة كي يلصقها بالدين مستغلا طيبة الناس وتعلقهم بدينهم فيفرغ جيوبهم ويملأ جيوبه على حساب بؤسهم وصحتهم .

شجرة التفاح: قصة قصيرة


منذ زمن بعيد ...كان هناك شجرة تفاح في غاية الضخامة


كان هناك طفل صغير يلعب حول هذه الشجرة يوميا...

وكان يتسلق أغصان هذه الشجرة ويأكل من ثمارها ...

وبعدها يغفو قليلا لينام في ظلها...

كان يحب الشجرة وكانت الشجرة تحب لعبه معها...



مر الزمن... وكبر هذا الطفل...

وأصبح لا يلعب حول هذه الشجرة بعد ذلك...




في يوم من الأيام...رجع هذا الصبي وكان حزينا...!
فقالت له الشجرة: تعال والعب معي...

فأجابها الولد: لم أعد صغيرا لألعب حولك...

أنا أريد بعض اللعب وأحتاج بعض النقود لشرائها...



فأجابته الشجرة: أنا لا يوجد معي أية نقود!!!


ولكن يمكنك أن تأخذ كل التفاح إلى لدي لتبيعه ثم تحصل على النقود التي تريدها...

الولد كان سعيدا للغاية...

فتسلق الشجرة وجمع جميع ثمار التفاح التي عليها ونزل من عليها سعيدا...

لم يعد الولد بعدها ...

كانت الشجرة في غاية الحزن بعدها لعدم عودته...



وفي يوم رجع هذا الولد للشجرة ولكنه لم يعد ولدا بل أصبح رجلا...!!!

وكانت الشجرة في منتهى السعادة لعودته وقالت له: تعال والعب معي...


ولكنه أجابها وقال لها:

أنا لم أعد طفلا لألعب حولك مرة أخرى فقد أصبحت رجلا مسئولا عن عائلة...

وأحتاج لبيت ليكون لهم مأوى...


هل يمكنك مساعدتي بهذا؟



آسفة!!!

فأنا ليس عندي لك بيت ولكن يمكنك أن تأخذ جميع أفرعي لتبني بها لك بيتا...


فأخذ الرجل كل الأفرع وغادر الشجرة وهو سعيدا...

وكانت الشجرة سعيدة لسعادته ورؤيته هكذا ...ولكنه لم يعد إليها ...


وأصبحت الشجرة حزينة مرة أخرى...

وفي يوم حار جدا...


عاد الرجل مرة أخرى وكانت الشجرة في منتهى السعادة....


فقالت له الشجرة: تعال والعب معي...


فقال لها الرجل أنا في غاية التعب وقد بدأت في الكبر...وأريد أن أبحر لأي مكان لأرتاح...


فقال لها الرجل: هل يمكنك إعطائي مركبا...



فأجابته يمكنك أخذ جذعي لبناء مركبك...وبعدها يمكنك أن تبحر به أينما تشاء...وتكون سعيدا...


فقطع الرجل جذع الشجرة وصنع مركبه!!!

فسافر مبحرا ولم يعد لمدة طويلة جدا........................


أخيرا عاد الرجل بعد غياب طويل وسنوات طويلة جدا........

ولكن الشجرة أجابت وقالت له : آسفة يا بني الحبيب ولكن لم يعد عندي أي شئ لأعطيه لك...

وقالت له:لا يوجد تفاح...

قال لها: لا عليك لم يعد عندي أي أسنان لأقضمها بها...


لم يعد عندي جذع لتتسلقه ولم يعد عندي فروع لتجلس عليها...


فأجابها الرجل لقد أصبحت عجوزا اليوم ولا أستطيع عمل أي شيء!!!


فأخبرته : أنا فعلا لا يوجد لدي ما أعطيه لك...


كل ما لدي الآن هو جذور ميتة...أجابته وهي تبكي...
فأجابها وقال لها: كل ما أحتاجه الآن هو مكان لأستريح به...


فأنا متعب بعد كل هذه السنون...


فأجابته وقالت له: جذور الشجرة العجوز هي أنسب مكان لك للراحة...


تعال ...تعال واجلس معي هنا تحت واسترح معي.. .

فنزل الرجل إليها وكانت الشجرة سعيدة به والدموع تملأ ابتسامتها...



هل تعرف من هي هذه الشجرة؟









































إنها أبويك!!!!!!!









وقل رب ارحمهمـــــا كما ربياني صغيـــــــرا

اللقاء: قصة قصيرة


شعر أن ما تبقى من العمر لم يعد كثيراً.. وتفتحت أمام عينيه بؤرة السنوات الماضية.. أخذ القلب ينبض بكل معالم حبه القديم.. مازال وجهها مزروعاً في الشرايين. أهل المخيم وصفوه بالجنون، أمره حيرهم وجعلهم لا يعرفون شيئاً.. ظنوا في البداية أن حبه لفتاة اسمها وعد مجرد خيال أو وهم، إذ كيف لهذا الرجل، الذي ترك البيت والشارع عارياً إلا من حزنه ودمعه، أن يتذكر فتاته ويصرّ على أنها ما تزال على حبه بعد مرور كل هذه السنوات.. أقنعوه بالنسيان والزواج من أخرى، فما اقتنع.. جادلوه وناقشوه فما وصلوا معه إلى شيء.. كانت وعد هي القلب والشريان والحلم.. يقف في هذا الشارع أو ذاك وينتظر.. يصرّ على أنها ستعرف أين هو، وسترسل له أي شيء تعبر فيه عن حبها وانتظارها.. كم تمنى أن يبحث عنها.. معاً سيرقصان رقصة اللقاء.. ستزهر الأرض أقحوان فرح.. نسي أهل المخيم أمره، أو تناسوه.. وما استطاع أن ينسى.. وهاهي السنوات ترحل..

حين ضحك ابن أختها الشاب، نهرته.. كانت تعرف أنه ينتظر.. تحكي القصة عن حب قديم مقيم، تصف ملامح الحبيب الغائب وكأنه مازال أمام العين.. تقول: كان عبد الرحيم يأخذ يدي ويذهب حتى حدود الحلم.. معاً كنا نصطاد نجوم الأمنيات.. وكانت الفاجعة يوم الرحيل، لا تستطيع بعد كل هذه السنوات أن تتماسك.. تترك لدموعها العنان، تبكي بحرقة وكأن ما حدث حدث قبل ساعات قليلة.. في وعيها ووجدانها أنه سيعود، وسيعرف أنها في هذا المكان تنتظر.. تطارد جنود الاحتلال بالحجارة وتنتظر.. تساعد الأطفال والنساء والرجال وتنتظر.. تكتب على الجدران بخط عريض "إنهم عائدون" وتنتظر.. تنظر إلى الشعرات البيض في رأسها وتنتظر.. يضحك ابن أختها الشاب.. وتنهره ثم تنتظر..

كان يعرف أنها تركت حيفا عند اللجوء وذهبت إلى أحد المخيمات.. لكنه لا يعرف إلى أين.. الشيء الوحيد الذي بقي له هو الانتظار والسؤال.. سأل الناس والفضاء والطيور.. سأل الشوارع والهواء والماء.. دون جدوى.. لا أحد يعرف شيئاً عن وعد.. حلم العودة الذي بقي مقيماً في العين والقلب، كان يشعل فتيل الأمل بأنهما سيلتقيان.. أحياناً كانت ترتسم الصورة أمام عينيه فيراها هناك في حيفا، عندها كان ينتظر.. وابتسامة عريضة ترتسم فوق شفتيه.. وهاهي السنوات تذهب.. تفرّ من بين الأصابع.. فماذا يفعل..؟؟

أخرجت ورقة وقلماً وكتبت: "هنا في مخيم الدهيشة الذي يشتعل مواجهة ورفضاً.. مازلت أنتظر "ثم وبعد أن كتبت أسفل الورقة الصغيرة "حبيبتك وعد" طوتها وربطتها حول حجر.. وضعت الحجر في المقلاع.. وإلى البعيد البعيد قذفته.. ضحك ابن أختها حين انطلق أنين جندي الاحتلال بعد أن أصابه الحجر في وجهه.. نهرته.. صاحت "لابد أن تصل الرسالة" أشار الجندي نحوها.. حاول ابن أختها أن يبعدها، لكن الرصاصات التي استقرت في القلب تماماً، كانت أسرع منه.. بكى ابن أختها الشاب.. بحرارة بكى وحملها.. قالت قبل أن تغمض عينيها "بالله عليك.. قل له إنني انتظرته حتى آخر لحظة في حياتي "هزّ الشاب رأسه، وترك دموعه تسقط فوق جرحها المفتوح..

على الورقة البيضاء كتب "مازلت أنتظر" مسح دمعة أخذت تسبح فوق خده.. لا يدري لماذا انقبض قلبه فجأة.. هكذا صاح.. تمدد على السرير.. كرت السنوات أمام عينيه .. ضحكت البنت الصغيرة ونادته ..كانت شوارع حيفا مغسولة بالمطر ..معاً وقفا على الرصيف.. ركضا.. رسما الأيام القادمة بألوان زاهية.. ضحكت وعد.. ضحك عبد الرحيم.. ثم أغمض عينيه ورحل..


للشاعر ...طلعت سقيرق

كيف تتم صناعة الغباء؟


مجموعة من العلماء و ضعوا خمسة قرود في قفص واحد، و في وسط القفص يوجد سلم، و في أعلى السلم هناك بعض الموز.



في كل مرة يطلع أحد القرود لأخذ الموز .. يقوم العلماء برش باقي القرود بالماء المغلي ..



بعد فترة بسيطة أصبح كل قرد يطلع لأخذ الموز, يقوم الباقين بمنعه و ضربه حتى لا يتم رشهم بالماء.



بعد مدة من الوقت لم يجرؤ أي قرد على صعود السلم لأخذ الموز على الرغم من كل الإغراءات خوفا من الماء المغلي.



بعدها قرر العلماء أن يقوموا بتبديل أحد القرود الخمسة، و يضعوا مكانه قرد جديد فأول شيء يقوم به القرد الجديد أنه يصعد السلم ليأخذ الموز، ولكن فوراً الأربعة الباقين يضربونه و يجبرونه على النزول

بعد عدة مرات من الضرب يفهم القرد الجديد بأن عليه أن لايصعد السلم مع أنه لا يدري ما السبب.



بعد ذلك .. قام العلماء بتبديل أحد القرود القدامى بقرد جديد، و حل به ما حل بالقرد البديل الأول حتى أن القرد البديل الأول شارك زملائه بالضرب و هو لايدري لماذا يضرب، و هكذا حتى تم تبديل جميع القرود الخمسة الأوائل بقرود جديدة حتى صار في القفص خمسة قرود لم يرش عليهم ماء مغلي أبداً.



و مع ذلك يضربون أي قرد تسول له نفسه صعود السلم بدون أن يعرفوا ما السبب



ولو سألنا القرود لماذا يضربون القرد الذي يصعد السلم؟



أكيد سيكون الجواب : لا ندري (هذا ما كان عليه آباءنا وأجدادنا)



والآن ... هل علمنا كيف يصنع الغباء، فهل يا ترى سنأخذ على عاتقنا صنع الذكاء في أطفالنا و فلذات أكبادنا حتى نفتح لهم المجال للإبداع ولا نقودهم إلى ما قادنا اليه مقولة: (هذا ما كان عليه آباءنا وأجدادنا
تحياتي

الحقائق أولا: قصة قصيرة


يحكى أن رجلاً عجوزاً كان جالسا مع ابن له يبلغ من العمر 25 سنة في القطار. وبدا الكثير من البهجة والفضول على وجه الشاب الذي كان يجلس بجانب النافذة.ـ



اخرج يديه من النافذة وشعربمرور الهواء وصرخ " أبي انظر جميع الأشجار تسير ورائنا "ـ

فتبسم الرجل العجوزمتماشياً مع فرحة إبنه.



وكان يجلس بجانبهم زوجان ويستمعون إلى ما يدور من حديث بين الأب وابنه. وشعروا بقليل من الإحراج فكيف يتصرف شاب في عمر 25 سنة كالطفل !!



فجأة صرخ الشاب مرة أخرى :ـ

" أبي، انظر إلى البركة وما فيها من حيوانات، أنظر..الغيوم تسير مع القطار "ـ

واستمر تعجب الزوجين من حديث الشاب مرة أخرى.



ثم بدأ هطول الامطار، وقطرات الماء تتساقط على يد الشاب

الذي إمتلأ وجهه بالسعادة وصرخ مرة أخرى

" أبي انها تمطر ، والماء لمس يدي، انظر يا أبي "



وفي هذه اللحظة لم يستطع الزوجان السكوت وسألوا الرجل العجوز

" لماذا لا تقوم بزيارة الطبيب والحصول على علاج لإبنك ؟"



هنا قال الرجل العجوز

إننا قادمون من المستشفى حيث أن إبني قد أصبح بصيراً لاول مرة في حياته






تذكر دائما ً:

"لا تستخلص النتائج حتى تعرف كل الحقائق

مزحة:قصة قصيرة لأنطون تشيكوف



كان يومًا شتويا مشرقًا، وكان صقيعٌ حاد، وكانت قطعٌ فضية منه تغطي الخصلات المتحدرة على جبين (نادينكا)، وأسفل شفتها العليا. كانت تتمسك بذراعي ونحن واقفان فوق تلةٍ عالية. ومن مكاننا حتى قاع الأرض امتد سهلٌ انعكستْ عليه الشمسُ بوضوحٍ وكأنه مرآة صافية. وإلى جانبنا كانت مزلجةٌ عليها قماشٌ أحمر اللون فاتحه.
رجوتها قائلا: "هيا بنا لنتزحلق للأسفل يا نادينكا. مرةً واحدة فقط. أؤكد لكِ أنه لن يحدث أي مكروه".
ولكن (نادينكا) كانت خائفة. فالمنحدر الذي يبدأ من تحت حذائها الطويل إلى أسفل التلة الثلجية بدا مريعًا لها كأنه هاوية سحيقة. خانتها شجاعتها وحبست أنفاسها وهي تنظر إلى الأسفل، بعد أن اكتفيتُ بأن اقترحتُ عليها امتطاء المزلجة، ولكن ماذا لو كانت هناك مخاطرة بالسقوط إلى الهاوية؟ كانت ستموت، كانت ستفقد صوابها.
قلتُ لها:" من أجلي أنا، لا تخافي. لا يجدر بك الخوف، فهو مرضٌ للنفس وجبنٌ عظيم".
استسلمت (نادينكا) أخيرًا، ومن ملامح وجهها أدركتُ أنها استسلمت وهي تختنق فزعًا. أجلستها على المزلجة، وهي شاحبة مرتعدة الأوصال، ثم طوّقتها بذراعي، ودفعتها وأنا معها إلى أسفل الهوة السحيقة.
انطلقت المزلجة كالرصاصة، والهواء المندفع بفعل تحليقنا ضرب في وجوهنا بكل قوته وهديره، ثم أطلق صفيره الحاد في آذاننا، وتمزّق على أجسادنا، ثم اشتدت قرصاته في وهج غضبه وحاول أن يقتلع رأسينا من على أكتافنا. كنا بالكاد نتنفس تحت ضغط الريح. بدا الأمر وكأن الشيطان نفسه أمسك بنا بمخلبيه وأخذ يسحبنا إلى الجحيم تتبعه زمجرته. كل ما كان يحيط بنا ذاب في خطٍ رفيع طويل طويل يتسارع بشدة. لحظة أخرى وبدا أننا لا بد هالكان.
قلتُ بصوتٍ خفيض: "أحبكِ يا ناديا".
بدأت المزلجة تتباطأ في حركتها أكثر فأكثر، وخَفتَ هدير الريح وطنين الهواء، وغدا التنفس أسهل، وأخيرًا وصلنا إلى الأسفل. كانت (نادينكا) أقرب للموت منها إلى الحياة. كانت شاحبة لا تكاد تتنفس، فساعدتها على النهوض.
قالت وهي تنظرُ إليّ بعينين ملؤهما الرعب: "لا شيء سيجعلني أكرر ذلك. لا شيء في هذا العالم كله. كدتُ أموت".
بعد دقائق استعادت اتزانها ونظرت إليّ بتساؤل، هل نطقتُ فعلا بتلك الكلمات الثلاث، أو أنها تخيلتْ ذلك في غمرة الإعصار؟ جلستُ بجانبها أدخّن وأنظر بإمعانٍ في قفازي.
تأبطتْ ذراعي وقضينا وقتا طويلا نمشي قرب التلة الثلجية. من الواضح أن اللغز أرهقها. هل سَمِعَتْ تلك الكلمات أم لا؟ نعم أم لا؟ نعم أم لا؟ كانت مسألة كبرياء أو شرف، مسألة حياة..كانت مسألة في غاية الأهمية، بل أهم مسألة في العالم. ظلت (نادينكا) تنظرُ في وجهي بنفاد صبرٍ وحزن نظرة حادة. كانت تجيبُ بعشوائية، تنتظر ما إذا كنت سأتكلم أم لا. ياه، يا لهذا اللعب بالمشاعر على هذا الوجه الجميل! لاحظتُ أنها كانت تصارع نفسها، وأنها كانت تريد قول شيء، تريد أن تسأل سؤالا، ولكنها لم تجد الكلام. شَعَرَتْ بأن الفرحة تسقيها حَيرةً وخوفًا وارتباكًا.
قالت من دون أن تنظر إليّ: "لدي فكرة".
فسألتها: "ما هي؟"
- هيا بنا..نتزحلق للأسفل مرة أخرى.
عانينا في تسلق التلة الثلجية من الدرجات مرة أخرى. أجلستُ (نادينكا)، وهي شاحبة مرتعدة الأوصال على المزلجة. مرةً أخرى طرنا نحو الهاوية الرهيبة، ومرة أخرى قابلنا هدير الريح وطنين الهواء، ومرة أخرى عندما كان انحدارنا في أصخب لحظاته وأسرعها، قلتُ بصوتٍ خفيض: "أحبكِ يا ناديا".
عندما توقفت المزلجة، رشقتْ (نادينكا) ببصرها التلة التي انزلقنا عليها، ثم تفرستني بنظرة طويلة، وأرهفت السمع لصوتي الذي لم يكن فيه مثقال ذرة من اهتمام او مشاعر. وكلّ جسمها، كل جزء منه، حتى الفراء والقبعة عليها أصدر أقصى علامات التعجب، وعلى وجهها أسئلة محيّرة: "ما معنى هذا؟ من نطق بتلك الكلمات؟ هل قالها، أو أنني تخيلتها فقط؟"
أقلقها ذلك الشكُ وأفقدها صبرها. لم تجب الفتاة المسكينة على أسئلتي، وعبست، وبلغت أدمعها طرف جفنيها.
سألتها: "ألم يكن من الأفضل لو ذهبنا إلى البيت؟".
قالت هائجة: "أنا..أنا أحب هذا التزحلق. هلا تزحلقنا مرة أخرى؟".
لقد "أحبّت" التزحلق، ولكنها عندما ركبت على المزلجة، كما في المرتين السابقتين، كانت شاحبة مرتعدة الأوصال بالكاد تتنفس من فرط الفزع.
تزحلقنا للمرة الثالثة، ولاحظتُ أنها كانت تحدق في وجهي وتراقب شفتيّ. ولكنني وضعتُ منديلي على شفتي، وسعلتُ، وعندما وصلنا إلى منتصف التلة استطعتُ أن أتمتم بـ"أحبكِ يا ناديا".
وبقي اللغز لغزًا. كانت (نادينكا) صامتة، تتفكر في شيءٍ ما. رافقتها إلى البيت، وحاولتْ أن تمشي ببطء، تخفف سرعتها تنتظر ما إذا كنت سأقول لها تلك الكلمات أم لا، ولاحظتُ كيف أن روحها كانت تعاني، وكيف كانت تجتهد كي لا تقول لنفسها:"لا يمكن أن تكون الريح قد قالتها. ولا أريد أن تكون الريح هي التي قالتها".
في الصباح التالي تركتْ لي رسالة جاء فيها: "إن كنت ذاهبًا للتزحلق اليوم، خذني معك. ن".
ومنذئذٍ بدأتُ أذهب كل يومٍ للتزحلق مع (نادينكا)، وبينما نحن نطير بالمزلجة، كنتُ أقول في كل مرة بصوتٍ خفيض نفس الكلمات:"أحبكِ يا ناديا".
وسرعان ما اعتادت (نادينكا) على تلك العبارة وأدمنتها كالكحول أو المخدر الذي لا فرار منه. لم تستطع العيش من دونها. نعم كان التزحلق فوق التلة الثلجية يرعبها كما كان في السابق، ولكن الخوف والخطر أضفيا سحرًا غريبًا على كلمات الحب. تلك الكلمات كما كانت دومًا، لغزًا يحير النفس ويعذبها تشويقًا. وبقيَ المشتبهان كما هما، أنا والريح. لم تكن تعرف أيا منا كان يمارس الحب معها، ولكنها بالتأكيد بدأت تفقد الاهتمام بذلك. ما دام الشرابُ مُسكرًا كلُ الكؤوسِ سواءُ.
وحدث يومًا أن ذهبتُ إلى ساحة التزلج وحيدًا، وبينما أنا بين الجموعِ رأيتُ (نادينكا) تصعد التلة الثلجية وتبحث عني، ثم نزلتْ من على الدرجات في حياء. كانت تخافُ أن تذهب بمفردها. يااه كم كانت تخاف! كانت بيضاء كالثلج، ترتعد، وكأنها تسوق نفسها إلى مقصلتها. ولكنها ذهبت، ذهبت دون أن تنظر وراءها، بإصرار. من المؤكد أنها قررت وضع الأمر في محك الاختبار أخيرًا. هل كانت تلك الكلمات الجميلة ستُسمع من دون وجودي؟ رأيتها شاحبة، انفرجت شفتاها بفزع، وركبت على المزلجة، فأغمضتْ عينيها لتقول للأرضِ وداعًا إلى الأبد. تزحلقت.. لا أعرف ما إذا كانت (نادينكا) سمعت تلك الكلمات أم لا. رأيتها فقط تنهض من على المزلجة باهتة المنظر شديدة الإعياء. وكان من السهل الجزم بالنظر إلى وجهها أنها لم تكن متأكدة ما إذا سمعت شيئا أم لا. لقد حرمها فزعُها وهي تطير إلى الأسفل حاسة السمع، وتمييز الأصوات، والفهم.
وجاء شهرُ مارس، وأتى الربيع بأبهى حلله. أظلمت تلتنا الثلجية وفقدت بهاءها، وذابت. وهكذا توقفنا عن التزحلق. لم يكن هناك مكانٌ آخر تستطيع فيه المسكينة (نادينكا) سماع تلك الكلمات، وبالتأكيد لا شخص آخر يقولها، حيث لم تكن هناك ريح، وكنتُ أنا ذاهبا إلى (بطرسبوج) لمدة طويلة، وربما للأبد.
وحدث قبل يومين من رحيلي أن كنتُ جالسًا عند الغروب في الحديقة الصغيرة التي يفصلها عن فناء منزل (نادينكا) سورٌ عالٍ عليه مسامير. كان الجو ما يزال باردًا، وبعض الثلج ركامٌ هناك قرب كومة السماد، وبدت الأشجار ميتة، ولكن عبق الربيع كان منتشرًا، والغربان تنعق وهي تأوي إلى منامتها. صعدتُ على السور ووقفتُ هناك طويلا وأنا أختلس النظر من خلال شق. رأيتُ (نادينكا) تخرج إلى الفناء وتحدق في السماء بعينين ملؤهما اللهفة والحسرة. كانت رياح الربيع تهب في وجهها الشاحب الكئيب. ذكّرَتها بالريحِ التي كانت تهبّ علينا على التلة الثلجية عندما سَمِعَتْ تلك الكلمات الثلاث، وغدا وجهها حزينًا جدًا جدًا، وانزلقت دمعة على وجنتها، ورفعت الطفلة المسكينة ذراعيها وكأنها تتوسل إلى الرياح أن تجلب لها تلك الكلمات مرة أخرى. وفي انتظار الرياح قلت بصوتٍ خفيض:"أحبكِ يا ناديا".
وحلّت الرحمة. يا لذاكَ التغير الذي حدث لـ(نادينكا)!. اغرورقت عيناها بعبراتها، ثم ملأت وجهها ابتسامة عريضة، فبدت مرحة وسعيدة وجميلة، ورفعت ذراعيها لتستقبل الرياح.
وعدتُ أدراجي لأحزم أمتعتي.
كان هذا منذ زمنٍ بعيد. (نادينكا) الآن متزوجة. لقد تزوجت -ولا يهم ما إذا كان ذلك باختيارها أم لا- ولديها الآن ثلاثة أطفال. ولم تنسَ أننا ذهبنا ذات مرة للتزحلق، وأن الرياح حملت لها الكلمات "أحبكِ يا نادينكا". بالنسبة لها، كانت هذه هي أكثر اللحظات المؤثرة والجميلة في حياتها.
ولكن الآن وأنا أكبر سنًا أعجز أن أفهم لماذا نطقتُ بتلك الكلمات، وماذا كان هدفي من تلك المزحة.

أنطون تشيكوف

احب ان اكون تلفازا!!!!

احب ان اكون تلفازا!!!! 
طلبت المعلمة من تلاميذها في المدرسة الابتدائية أن يكتبوا موضوعاً يطلبون فيه من الله أن يعطيهم ما يتمنون. وبعد عودتها إلى المنزل جلست تقرأ ما كتب التلاميذ، فأثار أحد المواضيع عاطفتها فأجهشت في البكاء. وصادف ذلك دخول زوجها البيت، فسألها: ما الذي يبكيكِ يا حبيبتي؟    فقالت: موضوع التعبير الذي كتبه أحد التلاميذ.   فسألها: وماذا كتب؟ فقالت له: خذ إقرأ موضوعه بنفسك!   فأخذ يقرأ:   إلهي، أسألك هذا المساء طلباً خاصاً جداً وهو أن تجعلني تلفازاً! فأنا أريد أن أحل محله! أريد أن أحتل مكاناً خاصاً في البيت! فتتحلَّق أسرتي حولي! وأصبح مركز اهتمامهم، فيسمعونني دون مقاطعة أو توجيه أسئلة، أريد أن أحظ بالعناية التي يحظى بها حتى وهو لا يعمل،


أريد أن أكون بصحبة أبي عندما يصل إلى البيت من العمل، حتى وهو مرهق، وأريد من أمي أن تجلس بصحبتي حتى وهي منزعجة أو حزينة، وأريد من إخوتي وأخواتي أن يتخاصموا ليختار كل منهم صحبتي. أريد أن أشعر بأن أسرتي تترك كل شيء جانباً لتقضي وقتها معي! وأخيراً وليس آخراً، أريد منك يا إلهي أن تقدّرني على إسعادهم والترفيه عنهم جميعاً. يا ربِّ إني لا أطلب منك الكثير أريد فقط أن أعيش مثل أي تلفاز.     انتهى الزوج من قراءة موضوع التلميذ وقال:  يا إلهي، إنه فعلاً طفل مسكين، ما أسوأ أبويه!!    فبكت المعلمة مرة أخرى وقالت: إنه الموضوع الذي كتبه ولدنا.   وتذكرت حينها قصة ذاك البروفسور الإنجليزي الذي لم يدخل التلفاز بيته، ولما سُئل عن السبب قال: لأن التلفاز يفرض علينا رأيه، ولا يسمح لنا بمناقشته، وينغص علينا حياتنا.    هذه دعوة لك عزيزي الأب .. عزيزتي الأم ..   لقضاء بعض الوقت مع أولادكم،   فهم أحق من التلفاز بهذا الوقت

قصة العقرب والضفدع




يُحكى أن عقربا وضفدعا، التقيا على ضفاف نهر..
فطلب العقرب من الضفدع أن ينقله على ظهره إلى الضفة الثانية من النهر
قائلا :
يا صاحبي!
هل لك أن تنَقلني إلى الضفة الثانية من النهر؟

رد الضفدع :
كيف لي أن أنقلك وأنت المعروف بلدغتك وغدرك وسُمُكَ القابع في جوفك؟!.
ومن يضمن لي أنك لن تلدغني بوسط النهر وتقتلني؟!.

قال العقرب :
كيف لي أن ألدغك وأنا راكب على ظهرك!
فإن لدغتك سنغرق سوية!.




رد الضفدع مشككا بصدق العقرب بينه وبين نفسه :
أعطيه فرصة عله أن يصدق هذه المرة!
لا بأس!
لقد أقنعتني
اركب على ظهري لأوصلك إلى الضفة الأخرى.

ركب العقرب على ظهر الضفدع وانطلق الضفدع سابحا..
وفي وسط النهر بدأت غريزة العقرب تتحرك وشهوته في اللدغ تشتعل
فكان يصبر نفسه حتى يعبر النهر ولكن شهوته لم تسكن ونفسه ما زالت تأمره
بل وتوزه على اللدغ فلدغ!
وبدأ الاثنان في الغرق!..

فقال له الضفدع :
لم لدغتنى؟!
فقد قتلت نفسك وقتلتنى معك!..
فقال له العقرب :
أمرتني شهوتي فاستجبت لها!..
وهكذا..
ماتا غريقين!..

****

انتهت الحادثة.. ولكن هل عرفت مكانك فيها؟!..
نعم!
قد لا يكون لك مكان فيها ونسأل الله - تعالى -
أن لا نكون ممن تتحكم فيهم شهواتهم فتقتلهم شر قتلة وتميتهم أسوء ميتة!

والشاهد من القصة :
أنه قد نخسر دنيانا بشهوة فارغة أو بنزوة حقيرة
بل قد نخسر الجنة كلها بشيء تافه!
ولا تستهن بصغيرة!
إن الجبال من الحصى!

فعلينا أن نمسك بلجام شهواتنا
وعلينا أن نتحكم في أنفسنا؛
فكلٌ مسؤول أمام الله عن أحواله وتصرفاته!

وها هي الأيام مقبلة علينا
فلنجعلها أيام التغيير والتصحيح..
فلنقبل عليها فهي لم تنته بعد ولكنها قد تنتهي في أي يوم!
لكن لنعلم أن الأعمال بالخواتيم ولا نتردد!
فكم لهونا! وكم لعبنا! وقصرنا في حق الله! فجاء وقت العودة والأوبة إليه!

فاللهم اقبلنا وارحمنا وتب علينا يا أرحم الراحمين

 
Design by Free Wordpress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Templates | تعريب وتطوير : قوالب بلوجر معربة